المشهد الأول
الهاتف بين يديها تقبض عليه كالطفل الرضيع … السماعات محشورة في أذنيها .. المسلسل الذي تتابع حلقاته المسجلة منذ ساعات تتطور أحداثه أمام عينيها.
نادتها أمها لتساعدها .. كررت النداء دون فائدة.. تعالي يا ابنتي! .. ساعديني قليلا.
وخارج البيت.. حيث الظلام الكثيف.. كانت هناك عينان تنظران إليها بشدة وتقتربان منذ لحظات.
أحداث الحلقة بدأت تسخن، ودقات قلب الفتاة تتسارع، وقبضتها على الهاتف تشتد.
وأمها تنادي عليها بصوت أعلى .. وأعلى .. لكنها تقرر تجاهله، فليس هذا وقت المقاطعة…
والعينان الناظرتان صارتا داخل البيت.
بلغت الحلقة ذروتها، وانهمرت دموع الممثلين، وسالت دمعة على خد الفتاة،
وصاحت الوالدة في يأس على ابنتها، يا ابنتي.. تعالي ساعديني ..
لكن الوقت لا يحتمل الرد عليها.
والعينان الناظرتان الآن خلف الفتاة مباشرة.
بعد لحظة قصيرة سقط الهاتف من يدها وهو يعرض لقطة من الحلقة التالية،
في اللحظة نفسها كانت أمها تنادي عليها للمرة الأخيرة، لكنها هذه المرة لم تسمعها،
لقد ذهبت الفتاة … مع صاحب العينين.. وتركت جسدها ملقى على الأرض بجوار الهاتف الصاخب.
المشهد الثاني
حمل صاحب العينين روحها الخائفة المضطربة، فرأت في تلك اللحظة من وراء الجدار أمها.. رأتها تتألم من ظهرها وهي ترتب غرفة ابنتها، رأت الهاتف على الأرضية الباردة … لقد ذهبت معه حرارة الدموع المسكوبة مع كل حلقة، ..
كان صاحب العينين يسرع بها إلى المجهول وهي مرعوبة خائفة.
في منتصف الطريق قالت له: من أنت؟ من أنت؟
أجابها: أنا من تسمونه الموت!
ألقاها من يديه فهي تهوي في الأرض، ومن حولها فتيات كثيرات يسقطن معها، والصريخ يعلو ويرتفع، كأنما يسقطن في حفرة مظلمة لا نهاية لها. كانت تصيح في داخلها: أريد فرصة أخيرة، لم أكن مستعدة لهذا!! لم أكن مستعدة أبدا!!
وفي لحظة كأنما كانت بعد سنة.. أحست بشيء يلمس أذنيها، ففتحت عينيها، فإذا عينان تنظران إليها في خوف، وصوت يخترق قلبها قبل أذنيها: ماذا بك يا ابنتي؟ هل أغمي عليك؟
إنها والدتها تهزها وتضمها إليها…
ما هذا؟ أكان كل ذلك حلما وانتهى؟ أو إغماءة دارت برأسها فألقتها على الأرض؟
نظرت حولها لتتأكد .. رأت الهاتف ملقى على الأرض وهو يعرض لقطات الحلقة القادمة… لقد كان حلما.. لا زالت حية لم تمت بعد.. ليس هناك عينان غير عيني أمها… ما أجملهما من عينين، أمسكت رأس والدتها وطبعت قبلة بين عينيها وقبلات أخرى كثيرة لم تكد تنتهي.. وأسرعت إلى الأرض باكية لتسجد لله سجدة طويلة، سجدة توبة وشكر لله أنه أيقظها من غفلتها قبل أن تستيقظ على ملك الموت حقيقة، وأمهلها فرصة أخرى قبل الموعد الأخير لنهاية حياتها الحقيقية بين الناس.
قامت من سجدتها.. أخذت الهاتف بين يديها، وقالت: قد آن لي أن أجعلك سببا لدخولي الجنة بعد أن كدت تلقيني في النار.
يا رب أشغلني بطاعتك عن معصيتك، واستعملني في مرضاتك .. وأعني على حسن عبادتك.
نوار ظفار
قصة مؤثرة … محزنة للغاية … جزاكم الله خيرا وكثر من امثالكم ايها الفضلاء … و رزقنا وإياكم حسن الخاتمة …
↓
4 يونيو 2015
12:16 ص
أحمد الكاف
جميل جدا هذا العرض القصصي والأجمل منه هذا الهدف النبيل الذي تريد القصة إظهاره .
أسأل الله تعالى أن تكون في ميزان حسنات الكاتب وأن يستمر بهذا الإبداع وهذا النفع.
وملاحظة أخرى: الكاتب لغته سلسة جميلة وأداؤه النحوي جيد حتى إني أعتقد أنه لم يخطئ إلا في كلمة واحدة نحويا وهي قوله (ليس هناك (عينين) غير عيني أمها…) والصواب : ليس هناك عينان… لأن (عينان) اسم ليس مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى.
أشكر الكاتب كثيراً على هذه الفائدة….
↓
9 فبراير 2016
10:59 ص
فهد بن سالم بن بخيت بيت فاضل
وجزاكم الله خيرا وبارك فيكم.
تنبيه نبيه، وملاحظة صحيحة أخي أحمد الكاف، شكر الله لك تصحيحك، وقد صحح الخطأ،وتتميما للفائدة فإن (هناك) من أسماء الإشارة الملازمةللظرفية المكانية، فتعرب اسما مبنيا على النصب، متعلقا بمحذوف خبر.وذلك كما تعرب بقية الظروف، بخلاف أسماء الإشارة الأخرى، فإنها تعرب في محل رفع مبتدأ لو جاءت في مثل هذه العبارة.
↓
25 مارس 2017
12:03 م