الثلاثاء 4 ذو القعدة 1447 - 21 أبريل 2026
جديد الموقع
بحث
التصنيفات
» وحشي بن حرب .. (وحشيُّ اخْرُجْ فقاتِلْ في سبيلِِ اللهِ كَمَا قاتَلْتَ لِتَصُدَّ عن سَبيلِ الله)

سلسلة (الإفادة من تراجم الصحابة)
الصحابي وحشي بن حرب رضي الله عنه

أبو حرب وقيل أبو دسمة وقيل ابو إسحاق والأكثر أبو حرب وحشي بن حرب الحبشي رضي الله عنه من سودان مكة . صحابيٌ مُفترىً عليه وذلك بسبب قتله سيِّدَ الشهداء عَمُّ النبي صلى الله عليه وسلم حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه يوم أُحُد ، أَسْلَمَ بعد فتح مكة والطائف.
كان عبداً لطعيمة بن عدي بن نوفل بن عبدمناف، وقيل لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل . وكان يجيد الرمي بالحربة ، فلما قتل سيده طعيمة بن عدي يوم بدرٍ مع المشركين وكان الذي قتله حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه ، قال له جُبير بن مطعم : إنْ قتلتَ حمزةَ عتقتُك.

فعن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار، فلما قَدِمْنا حمص، قال لي عبيد الله بن عدي : هل لك في وحشي، نسأله عن قتله حمزة ؟ قُلْت : نعم، وكان وحشي يسكن حمص، فسألنا عنه، فقيل لنا : هو ذاك في ظِلِّ قصره، كأنه حميت، قال : فجئنا حتى وقفنا عليه يسيرا، فسلمنا فردَّ السلام، قال : عبيد الله معتجر بعمامته، ما يرى وحشي إلا عينيه ورجلٌيه . فقال عبيد الله : يا وحشي أتعرفني ؟ قال : فنظر إليه ثم قال : لا والله، إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها أم قتال بنت أبي العيص، فولدت له غلاما بمكة، فكنتُ أسترضع له، فحملت ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه، فلكأني نظرت إلى قدميك، قال : فكشف عبيد الله عن وجهه ثم قال : ألا تخبرنا بقتل حمزة ؟ قال : نعم، إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار ببدر، فقال لي مولاي جبير بن مطعم : إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر، قال : فلما أن خرج الناس عام عينين، وعينين جبل بحيال أُحُدٍ، بينه وبينه واد، خرجت مع الناس إلى القتال، فلما أن اصطفوا للقتال، خرج سباع فقال : هل من مبارز، قال : فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فقال : يا سباع، با ابن أم أنمار مقطعة البظور، أتحاد الله ورسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ قال : ثم أشد عليه، فكان كأمس الذاهب، قال وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي، فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه، قال : فكان ذاك العهد به، فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف، فأرسلوا إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رسولا، فقيل لي : إنه لا يهيج الرسل، قال : فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما رآني قال : ( آنت وحشي ) . قُلْت : نعم، قال : ( أنت قتلت حمزة ) . قُلْت : قد كان من الأمر ما بلغك، قال : ( فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني ) . قال : فخرجتُ، فلما قُبِضَ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فخرج مسيلمة الكذاب، قُلْتُ لأخرجن إلى مسيلمة، لعلي أقتله فأكافئ به حمزة، قال : فخرجت مع الناس، فكان من أمره ما كان، قال : فإذا رجلٌ قائم في ثلمة جدار، كأنه جمل أورق، ثائر الرأس، قال : فرميته بحربتي، فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، قال : ووثب إليه رجلٌ من الأنصار فضربه بالسيف على هامته . قال : قال عبد الله بن الفضل : فأخبرني سليمان بن يسار : أنه سمع عبد الله ابن عمر يقول : فقالتْ جارية على ظهر بيت، وا أمير المؤمنين، قتله العبد الأسود. (صحيح البخاري)

ففي هذا الحديث شرح قصة وحشي رضي الله عنه وهو حديث عظيم نستخرج منه :
– جعفر بن عمرو بن أمية الضمري تابعي ثقة وأبوه صحابي معروف.
– عبيدالله بن عدي الأكبر بن الخيار بن عدي بن نوفل صحابي صغير وأبوه صحابي من مسلمي الفتح والخيار بن عدي مات على الشرك وهو اخو طعيمة بن عدي المقتل يوم بدرا كافرا.
– هجرة وحشي إلى الشام ومسكنه بحمص ووفاته بها رضي الله عنه.
– حب الصحابة والتابعين لمعرفة الأحداث من أصحابها لنقلها ثقة عن ثقة.
– استقرار وحشي في حمص وله قصرا وأولاد لا كما يُنشر عنه أنه طريدا هايما على وجهه حتى مات.
– الحَمِيتَ معناها : الزِّقُّ يُجعَلُ فيه السمنُ أو العسل أو الزيت . كناية على أنه كان سمينا مشوبا بحمرة.
– فطنة وفراسة وقيافة وحشي رضي الله عنه كونه عرف عبيدالله بن عدي من قدميه فقط ولم يراه منذ أن كان طفلا مسترضعا إلا بعد مرور خمسين سنة حتى قدم عليه في حمص ، وهذا دليل على أن وحشي رضي الله عنه كان مستقر الحال ، وأن عقله فيه ويدرك ويعرف الرجال.
– أم قتال بنت أسيد بن أبي العيص رضي الله عنها أم عبيدالله بن عدي صحابية أسلمت يوم الفتح وهي أخت عتاب بن أسيد بن أبي العيص رضي الله عنه أول والٍ على مكة في الإسلام.
– الأمانه في نقل الحديث حتى ولو كان فيه ما يكره من النقل بسبب أنه قتل سيد الشهداء الذي كان سببا لغضب النبي صلى الله عليه وسلم عليه.
– طعيمة بن عدي بن الخيار بن نوفل وهو بهذا النسب يكون أخو عبيدالله بن عدي راوي الحديث والصحيح أنه طعيمة بن عدي بن نوفل ويلقب بالأعرج.
– خروج وحشي مع المشركين لقتال المسلمين من أجل الحرية فبقتله حمزة يعتق فورا ، وهذا ما حصل.
– في هذا الحديث دليل على أن المعركة بدأت بالمبارزة.
– شجاعة سباع بن عبدالعزي الخزاعي تُرْدِيهِ نارَ جهنم حين طلب المبارزة في القتال فرحَّله حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه إلى نار جهنم بدون عناء (فكان كأمس الذاهب).
– دقة إصابة ورمي وحشي رضي الله عنه للحربة حين استقرت في حمزة رضي الله عنه فبسبب هذه الرمية ترقى سيدنا حمزة رضي الله عنه لدرجة سيد الشهداء.
– لم تكن لوحشي رضي الله عنه هِمَّةً في القتال إلا قتل حمزة رضي الله عنه فإنه لم يقاتل بعد مقتل حمزة رضي الله عنه حيث رجع لمكة واستقر بها حرا ، وشهد بعد ذلك معركة الأحزاب مع الكفار وقتل بحربته الصحابي الطفيل بن النعمان الأنصاري رضي الله عنه.
– هروب وحشي رضي الله عنه إلى الطائف بعد فتح مكة فلم يرغب بالإسلام خوفاً من القتل.
– وحشي يفكر بالهرب إلى الشام بعد إسلام أهل الطائف وذلك كله فرقا من النبي صلى الله عليه وسلم ، وجهلا بالإسلام بأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله وحين عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتل الرسل ومن جاءه تائباً ، قَدِمَ عليه مُستخفيا حذراً حتى دخل المدينة كما مَرَّ وأسلم.

((فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟))
– النبي صلى الله عليه وسلم بَشَر يُصيبه ما يصيب الناس من حُزْن إذا فَقَد عزيز عليه ، فالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قَبِلَ إسلام وحشي رضي الله عنه لا يريد أن يرى وجه قاتل عمه في المدينة حتى لا يغضب عليه فيصيبه غضب من الله لغضب رسوله فرحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين طلب منه أن يُغَيِّب وجهه عنه.
– صدق توبة وحشي وعزمه على الإسلام الصحيح فحين طلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يغيب وجه عنه لم يرتد ويلحق بالكفار في الشام بل ثبت على إسلامه فخرج إلى مكة وبقى فيها إلى أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يَرْتَدَّ بل خرج مع جيوش الإسلام لحرب المرتدين لتكفير ما فعله من قتل حمزة فيريد أن يقتل عظيم الكفر مسيلمة الكذاب وهذا ما فعله بتوفيق الله فكانت حربته سبباً لقتل سيد الشهداء حين كان مشركا ، وسببا لقتل كذاب اليمامة حين أسلم.
– هناك بعض الأكاذيب على وحشي رضي الله عنه فقد اتُّهِمَ بأن الله لا يَغْفِر له وأنه سيُعَذبه وهذا باطل لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله وباب التوبة كبير لمن تاب فما بالك بصحابي حَسُنَت توبته وصدقه وخرج مجاهداً في حروب الردة وفتوح الشام بل كان من رواة الحديث فقد حسن الإمام الألباني حديث عن وحشي بن حرب : أنهم قالوا : يا رسول الله إنا نأكُلُ ولا نشبع ، قال : «فلعلكم تأكلون متفرقين ؟» قالوا : نعم ، قال : «فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه». (أخرجه ابن ماجه وحسنه الألباني)
– ومن روايته للحديث أيضاً قوله: «كنت جالسًا عندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فمرَّ رجلٌ ورجلٌ عندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال يا رسولَ اللهِ: إني أُحبُّه للهِ قال أعلمتَه ذاك؟ قال: لا قال: قمْ فأعلِمْه». وهذا دليلٌ على أن وحشيَّ لَزِمَ النبي صلى الله عليه وسلم وجالسه وروى عنه لا كما يُشاع أنه هام يشرب الخمر . (روى الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد – الصفحة أو الرقم: 10/285 – وقال أنه روي بسندين ورجال أحدهما ثقات‏‏)‏

هناك أحديث لا تصح عن وحشي ضعيفه ومنكرة منها :
– عن عبدالله بن عباس قال : كتب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى وحشيِّ بنِ حربٍ قاتلِ حمزةَ يدعوه إلى الإسلامِ، فكتب إليه وحشيٌّ: كيف وأنت تزعمُ أنَّ من أشرك أو قتل أو زنى يلقى أثامًا، وأنا قد صنعتُ ذلك، فهل تجدُ لي رخصةً؟ فأنزلَ اللهُ : {إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحَا} فقال وحشيٌّ: يا محمدُ، هذا شرطٌ شديدٌ، فلعلي لا أقدرُ على ذلك، فأنزل اللهُ : {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}. فقال وحشيٌّ: أرى المشيئةَ، فلا أدري أيغفرُ لي أم لا؟ فهل غيرُ هذا؟ فأنزل اللهَ {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} قال: فأسلم، فقال الناسُ: هذا له خاصَّةً. فقال )) : بل للمسلمين عامة )) . (حديث غريب جداً ومنكر).
– قول عمر بن الخطاب : قد علمت أن الله تعالى لم يكن ليدع قاتل حمزة ؟‏ (رواية مرسلة).
– كل الروايات التي جاءت على أنه مدمن خمر غير صحيحة (منها مرسلة ومنها ضعيفة).
– رواية أنه مات في بركة خمر . لا تصح لأنها جاءت عن طريق الواقدي وهو واهن الحديث.

وحشي ورضا النبي صلى الله عليه وسلم عليه :
كل هذه الروايات تدمغها هذه الرواية الحسنة عن نبي الرحمة والإنسانية الذي لا يحمل غِل ولا حِقْد لأحد من الناس كافرا قبل أن يكون مسلما . ففي الحديث الحسن الإسناد عن وحشي بن حرب قال : أتيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال لي : (( وحشيٌّ ؟ )) قلتُ : نعم قال : (( قتلتَ حمزةَ ؟ )) قلتُ : نعم والحمدُ للهِ الذي أكرمَه بيدي ولم يُهِنِّى بيدِه . قالت له قريشٌ : أتحبُّهُ وهو قاتلُ حمزةَ ؟ فقلتُ : يا رسولَ اللهِ فاستغفر لي فتفلَ في الأرضِ ودفع في صدري ثلاثةً وقال : (( وحشيُّ اخرج فقاتِلْ في سبيلِ اللهِ كما قاتلتَ لتصدَّ عن سبيلِ اللهِ )).

وحشي وهند بنت عتبة رضي الله عنهما :
لقد برع الإعلام الهادم في تشويه صُوَر الصحابة في القنوات والمسلسلات فصوروا هند بنت عتبة رضي الله عنها المرأة الحقودة الكارهة لكل ما هو مسلم وهاشمي وهي التي طلبت من وحشي قتل محمد صلى الله عليه وسلم أو علي بن أبي طالب أو حمزة بن عبدالمطلب وله ما يطلب منها ، وهذه إهانه أخلاقية في حَقِّ صحابية جليلة ، فلم تثبت الروايات الصحيحة أي طريق لهند مع وحشي لا من قريب ولا من بعيد سوى ما أخرجه الإعلام الشيعي والأفلام الهدامة وصححته العقول التي لا تتحرى الحقيقة والصدق.

أما ما رواه الواقدي في “مغازيه” (1/ 286) عن وحشي بن حرب ، أنه قال بعد قتله حمزة : … فَشَقَقْت بَطْنَهُ فَأَخْرَجْت كَبِدَهُ، فَجِئْت بِهَا إلَى هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ ، فَقُلْت: مَاذَا لِي إنْ قَتَلْت قَاتِلَ أَبِيك ؟ قَالَتْ : سَلَبِي! فَقُلْت: هَذِهِ كَبِدُ حَمْزَةَ، فَمَضَغَتْهَا ثُمّ لَفَظَتْهَا ، فَلَا أَدْرِي لَمْ تُسِغْهَا أَوْ قَذَرَتْهَا ، فَنَزَعَتْ ثِيَابَهَا وَحُلِيّهَا فَأَعْطَتْنِيهِ ، ثُمّ قَالَتْ: إذَا جِئْت مَكّةَ فَلَك عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، ثُمّ قَالَتْ : أَرِنِي مَصْرَعَهُ! فَأَرَيْتهَا مَصْرَعَهُ ، فَقَطَعَتْ مَذَاكِيرَهُ ، وَجَدَعَتْ أَنْفَهُ ، وَقَطَعَتْ أُذُنَيْهِ، ثُمّ جَعَلَتْ مسكَتَيْنِ وَمِعْضَدَيْنِ حتى قدمت بذلك مكّة ، وقدمت بكبده مَعَهَا.
فهذا باطل منكر ، والواقدي لا يشتغل به ، كَذَّبَهُ الشافعي ، وأحمد ، والنسائي وغيرهم ، وقال إسحاق بن راهويه : هو عندي ممن يَضَعُ الحديث . (تهذيب التهذيب9 /326)

وحشي وجهاده في سبيل الله :
وكانَ وَحْشِيّ يقول : قتلتُ خير الناس، وقتلتُ شر الناس (يعني حمزة بن عبد المطلب ومُسَيْلِمَة الكذاب). فقد خرج مُجاهداً في حروب الردة بعد أن طلب منه الخليفة الصديق رضي الله عنه فخرج مع خالد بن الوليد وشهد حروب الردة وقتال طليحة الأسدي ومسيلمة الكذاب ، ثم خرج مع خالد لقتال الفرس في العراق . وشهد اليرموك وفتوح الشام ، فلم يزل مجاهدا في تلك المواضع والمشاهد حتى فتحت حمص فنزلها واستقر بها وبها توفي رضي الله عنه.

وفاته وأولاده :
توفي رضي الله عنه في حِمْص ودُفِن بقرب الصحابي الجليل ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وله من الأولاد حرب وإسحاق.



ضع تعليقك