رقم الفتوى: 37
السؤال:
* سائل يقول: أنا أحاول أن أحفظ القرآن، ولكن كلما حفظت أنسى، فكيف أثبت حفظي رغم الحب الشديد لهذا المصحف؟
الجواب:
السلف – رحمهم الله – كانوا يتواصون أشد التوصية في أنَّ المعاصي تُذهب بركة العلم، هذه لقد حصلها العبد، وأنها تمنع ثمرته، قد حصله تمنع الثمرة، وإن كان في باب السعي إليه؛ فإنها تمنع حصوله أو ثباته، والبيت المشهور المنسوب إلى الشافعي – رحمه الله – حينما سأل شيخه عن الحفظ فقال: إن علم الله نورٌ، ونور الله لا يُعطاه أو يُؤتاه عاصي، فالمعصية – كما قلنا – ظلمة، والعلم نور، فإذا غلبت مادة الظلمة وطمست النور؛ لم يحفظ العبد شيئًا من العلم النافع، فيا عبد الله! أصلح سريرتك بإخلاص العمل لله، ترجوا الله في علمك، فمن طلب شيئًا مما يُبتغى به وجه الله فطلب به الدنيا، فليس له في الآخرة من نصيب، كما قال r: « بشِّر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والنصر والتمكين في الأرض - هذه بشرى والحمد لله - فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب» (1) ، بل من «من ابتغى العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو تقبل أفئدة الناس إليه فإلى النار» (2) ، اطلب العلم لتنجو لا لتجادل به الناس وتعلو على الناس، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فإلى النار»، هذا يطلب العلم، لكنه نيته غير صالحة، وإن كان لا يعصي فيما يتعلق بالنظر الحرام أو الغيبة، لكن نيته أصلًا غير صالحة، فأخلص السريرة لله جل وعلا ، ثم راقب نفسك، راقب نفسك في عملك هل أتيت العلم كما علمنا إياه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
كما يقول ابن عبد البر – رحمه الله – النميري إمام الغرب يقول: طلب العلم درجاتٌ ومناقل، أي تنتقل من درجة إلى أخرى، درجاتٌ ومناقل ورُتب، لا ينبغي تعديها، ما تقفز من درجة إلى درجة ولا من رتبة إلى رتبة، وهذا سبيلُ السلف – رحمهم الله – هذه الطريقة المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ثم التابعين هكذا عنهم، كانوا يُرَبون الناس بصغار العلم قبل كباره، وهكذا يُرتبون الأمور، وهذا سبيل السلف – رحمهم الله – فمن تعدى سبيلهم مجتهدًا زلّ، وقع هذا مجتهد تنبه! ومن تعدى سبيلهم جاهلًا؛ ضلّ، نعوذ الله من الضلال.
* [من محاضرة العبودية وأثرها في عزة الفرد والأمة]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ