إن مما ابتليت به الأمة كثرة الخائضين في الدين بغير علم، مع جرأة أهل الباطل على نشر باطلهم وبث سمومهم في الأمة بعد أن تمكن الهوى والشهوات في نفوس كثير من الناس، حتى في بعض من كان يرجى منهم رد الباطل ونصرة الحق والذب عنه وعن أهله.
حتى صار أهل الحق غرباء بين الناس، كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى للغرباء).[ رَوَاهُ مُسلم] وفي رواية اخرى بزيادة: (الذين يصلحون إذا فسد الناس) [السلسة الصحيحة، للألباني:1272].
لقد كثرت الفتن ودعاتها، وعلت أصواتهم، وصار للباطل أعوان وأنصار، كما أخبرنا الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه حين قال: “كيف أنتم إذا لبستكم فتنة، يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت قالوا: غيرت السنة! قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: “إذا كثرت قراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين” وقد صححه الشيخ الألباني، وقال: “هو في حكم المرفوع، لأنه من أمور الغيب التي لاتدرك بالرأي” [تحريم آلات الطرب: ص16].
وهذا ما نشاهده الآن من كثرة القراء ولأمراء وقلة الفقهاء الذين يتحرون وجه الحق ويطلبون رضى الرحمن.
وبالمقابل نرى قلة الأمناء، وليست الأمانة هنا مجرد أمانة الأموال والودائع المادية، بل هي أيضا الأمانة الدينية التي حملها الانسان.
ومن فوائد أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الآنف ذكره: معرفتك حقيقة ما يردده بعض العامة حين تبين لهم حكما شرعيا أو سنة نبوية يجهلونها، فيقولون لك: لقد غيرت السنة! وجئت بدين جديد!. وما علموا أنه حق أماته المبتدعون، وسنة يحييها المتبعون.
وقد فتنت الشبه كثيرا من الناس حتى سوغوا لأنفسهم العمل بالبدع المخترعة والدعوة إليها، بل صاروا ينكرون على من يدعو إلى السنة أو يحذر من البدعة.
وكان من تلك الشبه المضلة تحريفهم لمراد الله تعالى في قوله الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] حيث زعموا كاذبين أنها تسوغ ترك الدعوة إلى بيان الحق! وعدم التصدي للبدع! أو الرد على أهل الباطل! وحاشا الله وكتابه عن هذا الزعم الباطل.
وقد رد أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذا الفهم الخاطئ، وبين المقصود بهذه الآية الكريمة، حيث قال في خطبة له: “يا أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقابه). وفي رواية: (إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب). وفي رواية: (ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي [وفي رواية: (هم أكثر ممن يعمل) أي: أكثر من العصاة]، ثم يقدرون على أن يغيروا، ثم لا يغيرون، إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب).[صححه الألباني، في تحقيقه لمشكاة المصابيح: 3/ 1422]
فبين رضي الله عنه أن الآية لا تعني ترك الإنكار على الباطل وأهله كما يظن هؤلاء جهلا منهم وغرورا.
ومثل ذلك الفهم الخاطئ، ما فهمه البعض من أثر ابن مسعود رضي الله عنه، حيث قال:
“إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا، فهو عند الله سيء ” [صححه الألباني موقوفا على ابن مسعود لا مرفوعا، السلسة الضعيفة:533]
فيزعم بعض المبتدعة أن مجرد اتفاق عوام الناس على أمر ما، من المحدثات والبدع، يجعلها حسنة عند الله! بينما ابن مسعود رضي الله عنه يحدثنا هنا عن اصطفاء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، وأن سنة الصحابة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن اتفاق الصحابة حجة شرعية لأجل ذلك الاصطفاء الذي خصهم الله به، وليس الكلام هنا عن العوام الذين لا يفقهون الدين، ولا يميزون بين السنة والبدعة، بل كثير من الحلال والحرام!
وكأني بهم قد غفلوا أو جهلوا قول الله تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [آل عمران: 31].
يقول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في تفسيره لهذه لآية الكريمة:
“وهذه الآية فيها وجوب محبة الله، وعلاماتها، ونتيجتها، وثمراتها:
فقال: {قل إن كنتم تحبون الله} أي: ادعيتم هذه المرتبة العالية، والرتبة التي ليس فوقها رتبة فلا يكفي فيها مجرد الدعوى، بل لا بد من الصدق فيها.
وعلامة الصدق اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن.
فمن اتبع الرسول دل على صدق دعواه محبة الله تعالى، وأحبه الله وغفر له ذنبه، ورحمه وسدده في جميع حركاته وسكناته.
ومن لم يتبع الرسول فليس محبا لله تعالى، لأن محبته لله توجب له اتباع رسوله، فما لم يوجد ذلك دل على عدمها وأنه كاذب إن ادعاها، مع أنها على تقدير وجودها غير نافعة بدون شرطها.
وبهذه الآية يوزن جميع الخلق، فعلى حسب حظهم من اتباع الرسول يكون إيمانهم وحبهم لله، وما نقص من ذلك نقص”. انتهى كلامه رحمه الله.
وقد جهل أولئك المبتدعون أو تجاهلوا ما روته عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم، وفي لفظ لمسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد).
ومعنى قوله (فهو رد) : أي باطل غير معتد به، وهو مردود على صاحبه.
وما حال هؤلاء الذين يستنكرون إحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويحاربون من ينكر البدع التي شوهت جمال الإسلام، إلا كحال من حذرنا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من منكري السنة، حين قال: (يوشك أن يقعد الرجل متكئا على أريكته، يُحدَّث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه! ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله) [صحيح الجامع: 2/ 1360].
وهذا ما أكده القرآن في قول الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر:7].
فمن وفقه الله إلى حسن الاتباع، والوقوف عند نصوص الوحي، والاهتداء بهدي السلف الصالح رضوان الله عليهم، فقد افلح وسلم، ومن خالف ذلك فقد خاب وخسر، والعياذ بالله.
ابومعاذ
مقال رائع وجزاك الله خيرا
↓
4 مايو 2014
10:04 ص
حفيدة عائشه
جزاك الله خيرا وبارك بك.
موضوع قيم ومهم وبخاصة في وقتنا الحالي فأصبحت البدع من الاسلام والسنن صارت دينا جديدا . نسأل الله السلامة والثبات .
بوركت يمناك.
↓
9 مايو 2014
3:20 ص
نوار ظفار
غفر الله لكم … مقال طيب ومن الجيد لو تُكملونه بمقال آخر يُسلط الضوء على بعض الأمثله عن البدع التي شاعت بين الناس واعتُبرت سنن من باب التنوير والتحذير … جزاكم الله خيرا
↓
11 مايو 2014
7:04 م