الأحد 22 محرم 1441 - 22 سبتمبر 2019
جديد الموقع
بحث
التصنيفات
» وقفة فقهية مع بيان عدم ثبوت الرؤية (1)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فهذه وقفةٌ فقهيَّةٌ ميسرةٌ مع بيان عدم ثبوت رؤية هلال رمضان لعام 1440 هـ، ولذلك لتوضيح ما أُشكل على الكثير من أن الحسابات الفلكية الأخيرة في السلطنة كانت تُشير إلى أن رؤية الهلال كانت مُمكنة بالمناظير، وصعبة جدًا بالعين المجردة وفق آخر التقارير الفلكية المنشورة من قبل دائرة الشؤون الفلكية بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية ([2])، ويمكث الهلال بعد غروب الشمس (30) دقيقة في أغلب ولايات السلطنة تقريبًا مع زيادة في المكث قليلًا في الولايات الجنوبية من السلطنة.

فالسؤال إذن: لماذا لم يُعمل بالحسابات الفلكية الدقيقة في دخول شهر رمضان، وقد أولتْ السلطنة الاهتمام البارز بالحسابات الفلكية حيث أشارت بإمكانية الرؤية ليلة الاثنين الماضي؟

الجواب:

الذي يظهر لي أنَّ ما عليه العمل في السلطنة هو الاعتماد على الحساب الفلكي في النفي دون الإثبات؛ ومعنى الإثبات أن يُقدِّر الفلكيُّون أن الهلال يمكن أن يُرى، وأن الحسابات الفلكية دَلَّت على أن شهر شعبان سيكون تسعةً وعشرين، فلو لم يتقدم شاهد برؤيته (كما حصل ذلك في هذا العام) فإنه لا يثبت الشهر بالحساب في هذه الحالة، ويؤمر الناس بأن يُكملوا شعبان ثلاثين يومًا. وهذا قول أكثر العلماء قديمًا وحديثًا.

عملًا بحديث النبي ‘: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له ثلاثين) رواه مسلم، وفي رواية أخرى: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً). رواه البخاري

وقد ظهر هذا القول في البيان الصادر لعدم ثبوت الرؤية بعدم العمل والاعتماد على الحسابات الفلكية في إثبات دخول شهر رمضان، وهذا واضح لكل من قرأ البيان.

ثانيًا: الاعتماد على الحساب الفلكي في النفي.

ومعنى ذلك: إذا دَلَّت الحسابات الفلكية على استحالة رؤية الهلال فتقدم شهود يشهدون برؤيته، فهل تُقبل شهادتهم؟ أو تُردّ لأجل نفي الحسابات الفلكية إمكانية رؤيته؟

فالظاهر أنَّ الذي عليه العمل في السلطنة هو الاعتماد على الحساب الفلكي في النفي، ويترتب على ذلك رد شهادة كل من ادّعى رؤية الهلال في حالة إذا قررت الحسابات الفلكية استحالة رؤية الهلال.

وقد اختلف الفقهاء في هذه الحالة:

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء بعدم الاعتماد على الحسابات الفلكية مُطلقًا؛ وذلك عملًا بظواهر النصوص الشرعية الواردة في الاعتماد على الرؤية لا الحساب الفلكي، وكان أيضًا علم الفلك قديمًا مختلطًا بالتنجيم فكان الفلكي هو المنجم، ولذلك أخذ الفقهاء موقفًا ممن يتعامل بالفلك وبالتنجيم.

توضيح: لقد انفصل علم الفلك عن التنجيم انفصالًا تامًا في وقتنا المعاصر فعِلمُ الفلك علمٌ عظيم يقوم على دراسة ما أودعه الله تعلى من السنن في الأجرام السماوية والظواهر الكونية، والقائمين عليه في بلدنا من الثقات المختصين، وهو علمٌ له قواعده وأسسه ويدرَّسُ في عددٍ من الجامعات في كثير من دول العالم وقد تقدم في وقتنا الحاضر تقدمًا كبيرًا. أما التنجيم فهو ليس بعلم أصلًا وإنما هو قائم على الشعوذة والدجل.

القول الثاني: قد أُثر عن مُطرِّف من التابعين ([3]) وابن السبكي ([4]) وبعض فقهاء الشافعية ([5]) أنهم قالوا: يُعتمد على الحساب الفلكي في النفي دون الإثبات، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين ([6])، واختيار الشيخ سعد الخثلان، وغيره من العلماء.

وعلى هذا القول إذا تقدّم الشاهد بشهادته وقد غرب القمر قبل الشمس حسابيًا، فلا بد من تمحيص شهادة هذا الشاهد؛ إذ الغالب أنها وَهْم، لأن الحسابات الفلكية في غروب الشمس منضبطة ودقيقة جدًا، وكذلك هي الحال في الحسابات الفلكية في غروب القمر، وهذه الحسابات مَحَلُّ إجماعٍ من الفلكيين، وبمثابة الدليل القطعي.

مما استدلّوا به أن الشهادة لا تصح عند عامة الفقهاء إلا إذا انفكت عما يكذبها؛ فإذا اقترن بها ما يكذبها فتُردّ، كما لو تقدم شاهد عَدْل برؤية الهلال بعد غروب شمس اليوم السادس والعشرين من الشهر، وادّعى رؤية الهلال، فلا تُقبل شهادته عند جميع العلماء، ولو كان الشاهد عَدْلًا، فعدالة الشاهد غير كافية للاعتماد عليها في هذا الأمر، بل لا بد أن تنفك عما يكذبها ([7]).

فخلاصة هذا القول هو التشدد والتمحيص في قَبول هذه الشهادة إذا خالفت ما عُلم من سنة الله تعالى من حسابات الشمس والقمر {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} ([8]).

كتبه: أبو الحارث منذر بن عبود بن عباس العجمي
إمام وخطيب بمركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم بصلالة
يوم الأربعاء الثاني من رمضان لعام 1440 هجري

توضيح الواضحات لما جاء في مقال: “وقفة فقهية مع بيان عدم ثبوت الرؤية” (1)

———————————

[1] بيان وزارة الأوقاف والشؤون الدينية  بعدم ثبوت رؤية هلال رمضان لعام 1440 هـ.
[2] نشر آخر تقرير حول ذلك يوم السبت 4 مايو 2019م في الصحف المحلية، وقرأته في صحيفة أثير الإلكترونية.
[3] نقل هذا القول عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (3/157)، وابن رشد في بداية المجتهد (2/558).
[4] ينظر: كتاب العلم المنشور في إثبات الشهور (ص8).
[5] نقل هذا القول ابن السبكي في كتاب العلم المنشور في إثبات الشهور (ص8). وابن عبد البر في الاستذكار (10/ 18)، والحافظ ابن حجر في فتح الباري (4/122).
[6] ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين (ص149) مسألة (252) لأحمد القاضي.
[7] ينظر: السلسبيل في شرح الدليل، كتاب الصيام، للشيخ سعد بن تركي الخثلان.
[8] [سورة الرحمن:5].



ضع تعليقك