الثلاثاء 15 صفر 1441 - 15 أكتوبر 2019
جديد الموقع
بحث
التصنيفات
» فضل الشام وأهله

.
يختص الله برحمته من يشاء من عباده ، ويخصُ بفضله من يريد، ويفضل بعض البقاع والبلدان والأزمان على بعض، ولله الحكمة البالغة في ذلك.
وقد اخترتُ الحديث عن بلاد الشام(1)؛ لما ورد في شأنها من آيات محكمة في كتاب الله، وأحاديث صحيحة ثابتة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة المسلمين اليوم لمعرفة ما لبلاد الشام من مكانة في الإسلام. ورفعاً للمعنويات والهِمَم، ودفعاً للإحباط والوهن، فإن كثيراً من سكانه وأهله أصابهم اليأس والقنوط من الغلاء والبلاء، واشتداد فتن الشهوات والشبهات.
ولبلاد الشام فضائل جمة كثيرة؛ ينبغي للمسلمين أن يعرفوها جيداً؛ ليأخذوا من يومهم لغدهم، ومن حاضرهم لمستقبلهم، فيُعِدوا العدة، ولا يستعجلوا؛ فيستطيلوا المدة، ويتأهبوا لما أراد الله – سبحانه وتعالى – حيث ستشهد النصرة والظهور لأهل الإسلام، أتباع الرعيل الأول والسلف الصالح  رضوان الله عليهم، وذلك بمنة الله وتوفيقه.
وحسبنا للدلالة على ذلك : حديث سلمة بن نفيل الكندي – رضي الله عنه – قال : كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رجل: يا رسول الله، أذال الناس الخيل ووضعوا السلاح، وقالوا لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها؛ فأقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم بوجهه، وقال : كذبوا، الآن جاء القتال، ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق، ويزيغ الله لهم قلوب أقوام، ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الله، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وهو يوحي إليَ: أني مقبوض غير ملبث، وأنتم تتبعوني أفنادا، يضرب بعضكم رقاب بعض، وعُقر دار المؤمنين الشام. (2) .
وفي هذا الحديث تصريحٌ بأن الطائفة المنصورة في الشام.  {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ}[الروم: 4-5].(3)
والحقيقة أن الكلام عن بلاد الشام طويل جدا، ولكن نوجز شيئا من ذلك عن أهمية بلاد الشام؛ لأنه موضوع قوي، ومهم للغاية، وأحداثه مؤثرة جداً في المستقبل الاسلامي. فلذلك لن أتطرق إلى معنى الشام وحدوده الجغرافية، ولا تاريخ الشام الضارب في القدم، حيث إن تاريخ الشام مرتبط بسيرة أولي العزم من الرسل وغيرهم من الأنبياء والمرسلين، كلوط وإسحاق ويعقوب وأيوب وداود وسليمان وزكريا ويحيى – عليهم صلوات الله وتسليمه – حتى قال بعض السلف: ما بعث الله نبياً إلا من الشام، فإن لم يبعثه منها هاجر إليها، وفي آخر الزمان يستقر العلم والإيمان بالشام فيكون نور النبوة فيها أظهر منه في سائر بلاد الإسلام. كما لن أتكلم عن المصنفات والمؤلفات التي ألفت في فضائل هذه البقعة من بلاد الاسلام وأهميتها، وارتباطها بعزة المسلمين ومستقبلهم وذلك لكثرتها ووفرتها. ولكن الذي يهمنا هنا ذكر بعض من فضائل الشام التي جاءت النصوص صريحة فيها.
فلأهمية بلاد الشام وعظمها عند الله – سبحانه وتعالى – ذكرها الله في كتابه الكريم، فقال تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) [الاسراء:1].
فقوله تعالى (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) يدل على أن المسجد الأقصى وما حوله مما يحيط به من بلاد كلها مباركة.
ويستفاد من هذه وصول النبي صلى الله عليه وسلم أرض الشام، وقد دخلها ثلاث مرات:
1-      مرة وهو صبي مع عمه في التجارة.
2-      مرة في الاسراء والمعراج.
3-      مرة حين وصل تخوم بلاد الشام مع جيش العسرة في غزوة تبوك. (4)

أما الأحاديث في فضائل الشام كثيرة، ولهذا سنقتصر على بعض منها:
أولا: فيها الطائفة المنصورة :
عن معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنهما – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من كذبهم، ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. (5)
قال مالك بن يخامر : سمعت معاذاً يقول : وهم بالشام.

ثانيا: الوصية بسكنى الشام والهجرة إليها :
عن عبدالله بن حوالة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستجندون أجناداً مجندة؛ جُنداً بالشام، وجنداً بالعراق، وجنداً باليمن ،
قال عبدالله: فقمت فقلت: خرْ لي (6) يا رسول الله، فقال: عليكم بالشام، فمن أبى؛ فليلحق بيمنه، وليستق من غُدُرِه، فإن الله – عزوجل – تكفل لي بالشام وأهله.
ثالثا: الملائكة باسطة أجنحتها على الشام:
عن زيد بن ثابت – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: طوبى للشام، طوبى للشام، قلت: ما بال الشام؟ قال: الملائكة باسطو أجنحتها على الشام. (7)
رابعا: فسطاط المسلمين يوم الملحمة في دمشق في الشام:
فعن أبي الدرداء – رضي الله عنه -، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يوم الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرضٍ يقال لها: الغوطة، فيها مدينة يقال لها: دمشق؛ خير منازل المسلمين يومئذ. (8)
ومعنى الحديث: أن حصن المسلمين الذي يتحصنون به يوم المقتلة العظمى في الفتن بغوطة دمشق. وهذا الحديث يدل على فضيلة دمشق وعلى فضيلة سكناها في آخر الزمان، وأنها حصن من الفتن.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ثبت للشام وأهله مناقب بالكتاب والسنة وآثار العلماء، وهي ما اعتمدته في تحضيضي المسلمين على غزو التتار، وأمري لهم بلزوم دمشق، ونهي لهم عن الفرار إلى مصر، واستدعائي العسكر المصري إلى الشام وتثبيت الشامي فيه.(9)
ولا شك أن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للشام واليمن وغيرها من البلاد لا يُقدس أهلها إذا لم يلتزموا ويعملوا ويجتهدوا في نشر منهج نبينا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وهو منهج الكتاب والسنة، بفهم السلف الصالح من الصحابة – رضي الله عنهم -، ومن تبعهم بإحسان، ويدعو إليه: عقيدة وعبادة وسياسة وسلوكا.
ولذلك فحين يتسلطُ ُ أعداء الله نرى أهلها وقد تأثروا بهذا التسلط ووقع كثير منهم في فساد عقدي وعملي؛ فمن أجل الاصلاح لابد من الإخلاص في النية والاقبال على العلم، واتباع منهج النبوة، والعمل الصالح.

الرباط في بلاد الشام
وكما أن بلاد الشام ستشهد الفتن والملاحم، ويكون النصر حليف الإسلام والمسلمين، فقد شهدت في تاريخها الماضي معارك عديدة، رفعت فيها راية الإسلام، وكُبت فيها العدو الشانئ.
فأهل الشام هم أهل القيادة والريادة، وأهل الجهاد والرباط، وصدِّ هجمات أعداء الإسلام، منذ الفتح الإسلامي وحتى قيام الساعة. فكانت الشام عاصمة الأمويين، وكانت دولتهم خير دولة وأعزها في الإسلام بعد الخلافة الراشدة، وأكثرها فتوحًا.
ورغم أن عمر دولتهم لم يبلغ قرنًا من الزمن، فإن أكبر فتوح الإسلام انطلقت منها؛ إذ امتدت فتوحها من الصين شرقًا إلى الأندلس وفرنسا غربًا، ومن بحر قزوين في الشمال إلى المحيط الهندي في الجنوب، وكادت أن تفتح أوربا بأكملها.
وكان للدولة الزنكية والأيوبية في الشام جهود عظيمة في جهاد الصليبيين؛
فلم تزل أرض الشام على مر الزمان أرض الجهاد والرباط، وهي أرض الحسم بين المسلمين واليهود في آخر الزمان، وبينهم وبين الروم في الملحمة الكبرى، وبينهم وبين الدجال.
ففي اليرموك قضت على الدولة البيزنطية، وفي عين جالوت أنهت بها غزو التتار لبلاد الاسلام، وفي حطين حطمت جيوش الصليبين وفتح بيت المقدس.
وهذه المعارك المذكورة لا شك أنها معارك مفصلية؛ فقد غير الله – عز وجل – بها وجه التاريخ، لأن أعداء الإسلام لا يتركون هذه الأمة تنعم بالخير والسعادة، وتعبد ربها بأمان، بل يغيظهم أن يتمسكوا بدينهم, ولذلك تتوالى الحملات – بقوة – لخلع الأمة من جذورها، واجتثاثها من أصولها، وإبعادها عن دينها، وهكذا يفعل شياطين الجن والإنس فهم – دائما – يجتمعون على هدف واحد ضد المسلمين. فنسأل الله أن يقرَ أعيننا بتحرير بيت المقدس ونصرة المسلمين في الشام عامة.

العلم والعلماء في بلاد الشام
ما زالت الشام منارة للعلم والعلماء على مر التاريخ، جذابة للعلماء، يرحلون إليها، ويقطنون بها، من عهد الصحابة – رضوان الله عليهم – إلى يومنا هذا.
وقد نزل بها عددٌ كبير من صحابة رسول الله رضي الله عنهم، فمنهم من كان في جيش الفتح، ومنهم من دخلها بعد ذلك. حتى قال الوليد بن مسلم: دَخَلتِ الشام عشرةُ آلاف عين رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم.(10)
وغيرهم كثير، فالشام بلد العِلم والعلماء في كلِّ عصر وقرن؛ فلم يخلُ قرنٌ من القرون ولا عصرٌ من العصور منذ الفتح الإسلامي لدمشق من علماء عامِلين، وأئمَّة مُصلحين كبار، تألَّقت نجومُهم وازدهرَت علومهم، ولا يزال المسلِمون ينهلون من علومهم حتى الساعة.
فاللهمَّ أعِد للشام مجدَها، وفُكَّ أسرها، وقوِّ شوكةَ أهلها، واجعلها منارةً للعِلم والعلماء كما كانت.

* الهوامش:

(1) تضم الشام: سوريا وفلسطين والأردن ولبنان.
(2) رواه النسائي وأحمد وهو في السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني برقم (1935 )
(3) ندوة بلاد الشام ومستقبل الاسلام . ص 6  بتصرف بسيط.
(4) ندوة بلاد الشام ومستقبل الاسلام . ص 24  .
(5) متفق عليه.
(6) أي اختر لي ودلني على بلاد أسكنها، أي عند تقسيم بلاد المسلمين، ووقوع الفتن.
(7) رواه الترمذي وهو في السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني برقم (503)
(8) رواه ابو داود وأحمد وصححه الألباني في تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق.
(9) مجموع الفتاوى (27/505) نقلا من رسالة طوبى للشام ص 8.
(10) تاريخ دمشق لابن عساكر (1/327)
(11) مقال يا طوبى للشام من موقع صيد الفوائد.



تعليقان 2

  1. حفيدة عائشه

    بارك الله بعلمكم.

    ونصر الله شامنا وأهلها نصرا مؤزرا.


    رد


    24 يونيو 2014

    8:58 م

  2. حميراء

    رب وامعتصماهُ انطلقت…. ملء فم وقلب وصدرمن حرائر أمتي و أفواه الصبايا اليتم ….لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم!! اللهم انصر الشام واهلها..

     


    رد


    4 أغسطس 2014

    10:21 م

ضع تعليقك