الخميس 10 محرم 1440 - 21 سبتمبر 2018
جديد الموقع
بحث
التصنيفات
» كف عليك لسانك

 الحمد لله على نعمة الإسلام والتمسك بسنة سيد الأنام، نبينا محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الغر الميامين.

 أما بعد:

 أذكركم ونفسي بتقوى الله جل وعلا، فإن تقوى الله موصلة إلى النجاة في الدنيا والآخرة.

 قال الله سبحانه وتعالى: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران:198].

 وقال عز شأنه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان:33].

 وقال الله عزوجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب:70ـ71].

 جاء من حديث معاذ رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: ” يا رسول الله، أكل ما نتكلم به يكتب علينا؟ قال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم، إنك لن تزال سالما ما سكت فإذا تكلمت كتب لك أو عليك”.

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت: (يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك).

 وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (والذي لا إله غيره! ما على ظهر الأرض من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان).

 فإذا كنا نؤاخذ بما تقوله ألسنتا، فنحن مؤاخذون أيضا بما تسطره أقلامنا، فهلا تمهلنا قبل أن نتكلم أو نكتب شيئا نسأل عنه يوم تنشر الصحف في ذلك الموضع المهول الذي يسعى فيه كل منا لنجاة نفسه وخلاصها من الشقاء الأبدي! .. نار تتلظى، تسأل المزيد، قعرها بعيد، يسأل أهلها الراحة ولا مجيب.. إلا التبكيت والتنكيل، يقال: هذا جزاء ما كنت تعملون.

 مهلا.. مهلا! أخوتي! قبل أن تضعوا الحبر على الورق. تفكروا: هل ما نكتبه يكتب لنا أم علينا؟

 فإنه مما لا شك فيه أن الكتابة في مواضيع دنيوية عامة لا علاقة لها بالدين الإسلامي، الخطب فيها يسير، لا تترتب عليها تبعات في الآخرة، وقد يتبين خطؤها من صوابها بواقع الحال والتجربة والخبرات المكتسبة، لكن الكتابة في الدين الإسلامي لها شأن عظيم، وعليها تبعات في الدنيا قبل الآخرة؛ لأن الكاتب عندما يتكلم في مسألة شرعية فكأنه يوقع عن رب العالمين ويقول هذا حكم الله في الأرض.

 فانتبه لما تخطه بأناملك حتى لا تتقول على الله عزوجل بغير علم قال الله سبحانه وتعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء:36]

قال ابن كثير رحمه الله تعالى في هذه الآية الكريمة:

” نهى الله عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال، كما قال تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12].

وفي الحديث: (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذبُ الحديث)” اهـ.

وهنا ننظر إلى الكاتب، فالكاتب إما أن يكون عالما، أو طالبا للعلم، أو ناقلا لكلام أهل العلم وطلابه، أو جاهلا.

 وأوجه كلامي للأقسام الثلاثة الأول، أما الجاهل فليس لي به حاجة إلا أن أوصيه بتقوى الله جل وعلا، وليذر الكتابة والكلام لأهل العلم المحققين المتقين الذين أوصانا الله عزوجل بالرجوع إليهم عند فقدان العلم، قال الله سبحانه وتعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]. ورحم الله الإمام الذهبي حين قال معنفا الجاهلين المتطاولين على العلم ومسائله:

“ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكى نقله الأخبار ويجرحهم جهبذا إلا بإدمان الطلب والفحص عن هذا الشأن وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدين المتين والإنصاف والتردد إلى مجالس العلماء والتحري والإتقان وإلا تفعل:

فدع عنك الكتابة لست منها … ولو سودت وجهك بالمداد

قال الله تعالى عز وجل: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] فإن آنست يا هذا من نفسك فهما وصدقا ودينا وورعا وإلا فلا تتعن وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأى والمذهب فبالله لا تتعب وإن عرفت إنك مخلط مخبط مهمل لحدود الله فأرحنا منك فبعد قليل ينكشف البهرج وينكب الزغل ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فقد نصحتك فعلم الحديث صلف فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب” اهـ. كلام الحافظ الذهبي من “تذكرة الحفاظ” (1/ 10).

وعلى الجميع أن يتقوا الله عزوجل فيما يكتبون ويسطرون من كلمات فربما حصل منها نفع مرجوح في مقابل ضرر راجح.

 وهنا قد يسأل سائل كيف نعرف النافع من الضار والغث من السمين ونفرق بين الصواب والخطأ عند الاختلاف؟

 فأقول: يا رعاك الله! اعلم أن الحكم الفصل في ذلك أصول الإسلام، التي لا خلاف فيها بين جماهير المسلمين، وعند الاختلاف في الدين يرجع إليها: كتاب الله عزوجل وسنة نبيه المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. قال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء:59].

 قال ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية:

 “وقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى:10] فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فدل على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر.

 وقوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ} أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع في فصل النزاع إليهما خير {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} أي: وأحسن عاقبة ومآلا كما قاله السدي وغير واحد، وقال مجاهد: وأحسن جزاء، وهو قريب اهـ.

 فإذا علمنا أن أصول الإسلام التي يرجع إليها هي كتاب الله وسنة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام كان لزاماً علينا إضافة ضميمة مهمة وهي فهم الصحابة رضوان الله تعالى عنهم للكتاب والسنة ما ذاك إلا لأن الصحابة عاشوا في مدرسة النبوة ، وتربوا على يد المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وكلهم عدول لثناء الله عزَّ وجلَّ عليهم، وثناء الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاجون مع ذلك لتعديل المعدِّلين وتوثيق الموثِّقين، ولهذا دَرَجَ السَّلفُ في التراجم إذا كان المترجَمُ صحابيًّا أن يقولوا عنه: صحابي، لا يذكرون توثيقاً ولا غيرَه مِمَّا كانوا يذكرون في غير الصحابة، اكتفاء بتعديل الله ورسوله لهم عن تعديل غيرهم لهم.

الآيات الكريمة الدالة على تعديل الله سبحانه وتعالى للصحابة رضي الله عنهم

 قال الله  سبحانه تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:100]

وقال الله جل وعلا: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} [الفتح:18]

وقال الله عز وجل: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} إلى أن قال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح:29].

 وقال الله عز من قائل: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [النساء:115]،

الأحاديث الصحيحة الثابتة والدالة على تعديل الصحابة رضي الله عنهم

قول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبدالله بن مسعود كما في الصحيحين: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، كما في الصحيحين واللفظ لمسلم (لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِى لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِى فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ)

الآثار الواردة في تعديل الصحابة رضي الله عنهم  

قال ابن مسعود رضي الله عنه: (إن الله عز وجل نظر في قلوب العباد، فاختار محمداً؛ فبعثه برسالته، وانتخبه بعلمه، ثم نظر في قلوب الناس بعده، فاختار له أصحابه، فجعلهم أنصار دينه، ووزراء نبيه صلى الله عليه وسلم، فما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحاً فهو عند الله قبيح)

 وقال أيضاً رضي الله عنه: (من كان متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبه نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم).

 وقال ابن عباس رضي الله عنه: (عليك بالاستقامة، اتبع ولا تبتدع، اتبع الأثر الأول ولا تبتدع).

أقوال أهل العلم في تعديل الصحابة رضي الله عنهم

قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى في التمهيد (22/47) : (ولا فرق بين أن يُسمِّي التابعُ الصاحبَ الذي حدَّثه أو لا يُسميه في وجوب العمل بحديثه؛ لأنَّ الصحابةَ كلَّهم عدولٌ مرضيُّون ثقاتٌ أثباتٌ، وهذا أمر مجتمعٌ عليه عند أهل العلم بالحديث).

وقال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره (16/299) : (فالصحابة كلُّهم عدولٌ، أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخِيرتُه من خلقه بعد أنبيائه ورسله، هذا مذهب أهل السنَّة والذي عليه الجماعة من أئمَّة هذه الأمَّة، وقد ذهبت شِرذمةٌ لا مبالاة بهم إلى أنَّ حالَ الصحابة كحال غيرهم، فيلزم البحث عن عدالتهم!!).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الإصابة (1/17) : (واتَّفق أهلُ السنَّة على أنَّ الجميعَ عدولٌ، ولَم يخالف في ذلك إلاَّ شذوذ من المبتدعة).

 وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى في علوم الحديث (ص:264) : (للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي أنَّه لا يُسأل عن عدالة أحدٍ منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه؛ لكونهم على الإطلاق معدَّلين بنصوص الكتاب والسنَّة وإجماع مَن يُعتدُّ به في الإجماع من الأمَّة…).

 وقال النووي رحمه الله تعالى في شرحه على مسلم (15/149) : (ولهذا اتَّفق أهلُ الحقِّ ومن يُعتدُّ به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم، رضي الله عنهم أجمعين).

 بعد هذه النقول من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، وأقوال أهل العلم، التي تفيد أنه لا بد لنا أن نأخذ بفهم الصحابة رضوان الله عنهم فإنهم خير هذه الأمة، وهم الذين نقلوا لنا الرسالة، والطاعن فيهم طاعن في دين الإسلام.

 روى الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية ص (97) : عن أبي زرعة الرازي رحمه الله تعالى أنه قال: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدّى إلينا هذا القرآنَ والسننَ: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة).

 وبهذه الأصول القويمة يستقيم الأمر، فاعرض أي مسألة على هذه الأصول، فما وجدته صحيحا ثابتا موافقا لها فاعمل به، وعض عليه بالنواجذ، وما وجدته مخالفا لها فألقه خلف ظهرك ولا تلتفت إليه.

فالخير كل الخير في اتباع من سلف، والشر كل الشر في ابتداع من خلف، ممن أظهر الخلاف والشقاق وترك الكتاب والسنة وعمل الأصحاب واتبع أهل الأهواء والبدع.

 جاء من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطاً، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}.

 قال مجاهد: {ولا تتبعوا السبل} قال: البدع والشبهات اهـ.

في هذا الحديث العظيم، بين النبي صلى الله عليه وسلم السبيل الموصل إلى الله جل وعلا الذي يجب على العبد أن يسلكه؛ لينجو من الهلاك والفتن، وكما بينت آنفا ماهية هذا الطريق، وهو اتباع الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهج الصحابة رضوان الله تعالى عنهم، ومع ذلك لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، بل بين أن هذا السبيل تكتنفه مخاطر، وهي سبل متعددة عن يمينه وعن شماله تحرف من اتبعها عن السبيل الصحيح إلى سبل مخالفة لمنهج النبوة، وليس ذلك وحسب بل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ومعنى ذلك كثرة الأهواء والبدع، وكثرة الداعين إليها ممن يتبعهم الناس من قديم الزمان إلى يومنا هذا، يحرفون الناس عن سبيل رب العالمين،

وهنا أسوق لكم رواية وقعت في زمن الصحابة بُعَيد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على حرص الصحابة على الاتباع لا الابتداع، وإن كان الفعل خيراً وذكراً، وعمق فهمهم لهذا الدين الذي أكمله الله عزوجل حين قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً) [المائدة: من الآية3] ورحم الله الإمام مالك حين قال: (لا يصلح آخر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها، فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا).

 جاء في سنن الدارمي (1 / 79) : أخبرنا الحكم ابن المبارك انا عمر بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال:

 كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد، قلنا: لا فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمراً أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيراً، قال: فما هو فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصا، فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم: قال: ما قلت: لهم شيئاً انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم، ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون، قالوا يا أبا عبد الله: حصاً نعد به التكبير، والتهليل، والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحوا باب ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج اهـ.

 انظر إلى حال هؤلاء القوم الذين أرادوا الخير بفعلهم، ومع ذلك لم يشفع لهم ذلك عند الصحابة، بل أنكروا عليهم مخالفتهم الصريحة للكتاب والسنة، وانظر أين وصل بهم الحال من مخالفة يسيرة إلى بدعة كبيرة حتى أصبحوا من الخوارج الذين قاتلوا الصحابة.

 وانظر إلى دقة فهم ابن مسعود رضي الله تعالى عنه حين قال: (إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحوا باب ضلالة)، ومفهوم كلامه أنهم ليسوا أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم بالتأكيد، فإذناً لابد أن يكونوا مفتتحوا باب ضلالة، نسأل الله السلامة والعافية.

 وانظر إلى قول هؤلاء المفتونين (ما أردنا إلا الخير)، ورد ابن مسعود رضي الله عنه عليهم: (وكم من مريد للخير لن يصيبه)، يعني: أنك وإن أردت الخير والأجر والثواب، ولكنك خالفت ما جاء في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنك ما أصبت الخير بل تحملت الإثم والوزر. ولا يكفي إرادة الخير في جواز التقرب إلى الله عزوجل بالعبادة، بل لا بد من ورود النص بذلك من الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة.

 ويؤخذ منه أيضا قاعدة عظيمة لطالما ذكرها العلماء وهي: (أن الأصل في العبادة التوقيف) أي: لا يجوز لك أن تتعبد الله عزوجل إلا بما ورد في الشرع.

 وهنا قد يسأل سائل ما هي العبادة؟

وجوابه أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.

 وانظر كيف دبت البدع والأهواء في الأمة، لما اتبعوا أهواءهم وأراءهم، وتركوا التمسك بالكتاب والسنة، ولم يرجعوا إلى أهل العلم الراسخين المتقين في ذلك الزمان وهم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، مع توافرهم وكثرتهم.

 أسال الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يثبتني وإياكم على الصراط المستقيم يوم تزل الأقدام، كما أسأله أن يثبتنا على الكتاب والسنة إلى يوم لقائه، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين.

شاركنا عبر شبكات التواصل الاجتماعي التالية:



تعليقان 2

  1. نوار ظفار

    عليه الصلاة والسلام … جزاكم الله خيرا.


    رد


    12 أبريل 2014

    6:22 م

  2. حفيدة عائشه

    حزاك الله خيرا …ولا حرمك الله الأجر

    كم بحاجة ماسة نحن اليوم لمثل هذه المقالات والتذكير بعظم ذنوب اللسان في ظل الزخم الهائل من وسائل التواصل الاجتماعي وسهولة النشر كمثل رشف الماء.

    أرجو من القائمين على هذا الصرح وضع روابط الموقع في المنتديات والمواقع الأخرى وأيضا نشر الروابط في الواتس وغيره لتعم الفائدة.جزاكم المولى خير الجزاء.


    رد


    28 أبريل 2014

    3:01 ص

ضع تعليقك