الأثنين 2 صفر 1439 - 24 أكتوبر 2017
جديد الموقع
بحث
التصنيفات
» أَُنَا وَاللهِ لاَ أُحْسِنُ دندنتَكَ ولا دندنةَ معاذٍ

ما زلنا مع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في معاملته مع أصحابه رضي الله عنهم وكيف كان يسمع شكواهم ، وينصفهم وكيف كان يتعامل في مثل هذه المواقف ليكون قدوة لهم ولنا .
كلنا يعلم أن الصلاة فُرضت من فوق سبع سماوات ليلةَ المعراج وبدون واسطة وأنها خُفّفت من خمسين إلى خمس في اليوم والليلة بعد المراجعة المشهورة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين موسى عليه السلام وأنه عليه السلام أخبر أن أمته لا تطيق الخمسين صلاة وأنه قد جرّب بني إسرائيل فما استطاعوا أن يتحمّلوا ، فخُففت الصلاة من خمسين إلى خمس . لقوله عز وجل في الحديث : «لا يُبدَّلُ قولي ولا يُنسَخُ كتابي هوَ في التَّخفيفِ خمسُ صلواتٍ وفي التَّضعيفِ في الأجرِ خمسونَ صلاةً» (التوحيد لابن خزيمة بسند صحيح)
فالصلاة هي أول ما يُحاسَب الله عنها من الأعمال ، فلذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم حين يصلي في بيته يجتهد في قيام الليل وتطويل الصلاة حتى تتفطر قدماه ، فكان صلى الله عليه وسلم يصلي بالبقرة والنساء وآل عمران في الركعة الواحدة لحديث حذيفة رضي الله عنه في صحيح مسلم أنه قال : صليتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلتُ: يركع عند المائة ثم مضى فقلتُ : يصلي بها في ركعة فمضى فقلتُ : يركعُ بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبّح وإذا مرّ بسؤال سأل وإذا مرّ بتعوذ تعوذ ثم ركع فجعل يقول : «سبحان ربي العظيم» فكان ركوعه نحواً من قيامه ثم قال : «سمع الله لمن حمده» ثم قام طويلاً قريباً مما ركع ثم سجد فقال : «سبحان ربي الأعلى» فكان سجوده قريبا من قيامه . قال وفي حديث جرير من الزيادة فقال : «سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد».

وكان قيامُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالليل إحدى عشرة ركعة، أو ثلاثَ عشرة، كما قال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما ، فإنه ثبت عنهما هذا وذاك، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : «ما كان رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة». وفي (الصحيحين) عنها أيضًا، «كان رسول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصلي من الليل ثلاثَ عشر ركعة، يُوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخِرِهِن» والركعتان فوق الإِحدى عشرة هما ركعتا الفجر، جاء ذلك مبينًا عنها في صحيح مسلم : «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر».

( معاذ بن جبل وحرام بن ملحان رضي الله عنهما )

هذه صلاته صلى الله عليه وسلم التطويل بقدر ما يستطيع ولا يزيد عن احدى عشر ركعة ومع ركعتي الفجر ثلاثة عشر ركعة وكان بعض الصحابة يصلي لصلاته ولا ينكر عليهم فَكُلاً بحسب طاقته ، ولكن الوضع يختلف في صلاة الفريضة ، فنجد النبي صلى الله عليه وسلم يغضب على أصحابه أشد الغضب في حال تطويلهم للصلاة المفروضة بل يصفهم بالفتانيين ففي مسند أحمد بسند صحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، قَالَ: كَانَ معاذ بن جبل يؤم قومه، فدخل حرام وَهُوَ يريد أن يسقي نخله، فدخل المسجد مَعَ القوم، فلما رأى معاذاً طوّل تجوّز فِي صلاته ولحق بنخلة يسقيه، فلما قضى معاذ الصلاة قيلَ لَهُ: إن حراماً دَخَلَ المسجد، فلما رآك طوّلت تجوّز فِي صلاته ولحق نخلة يسقيه. قَالَ: إنه لمنافق، أيعجل عَن الصلاة من أجل سقي نخلة؟! قَالَ: فجاء حرام إلى النَّبِيّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ومعاذ عنده، فَقَالَ: يَا نبي الله؛ إني أردت أن أسقي نخلاً لِي، فدخلت المسجد لأصلي مَعَ القوم، فلما طوّل تجوزت فِي صلاتي ولحقت بنخلي أسقيه، فزعم أني منافق، فأقبل النَّبِيّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى معاذ، فَقَالَ: «أفتان أنت؟ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! لا تطول بهم؛ أقرأ بسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ونحوهما».

وفي رواية للبخاري من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه قال : أقبلَ رجلٌ بناضحيْنِ وقد جنحَ الليلُ ، فوافقَ معاذًا يُصلِّي ، فتركَ ناضحَهُ ، وأقبلَ إلى معاذٍ ، فقرأَ بسورةِ البقرةِ ، أو النساءِ ، فانطلقَ الرجلُ ، وبَلَغَهُ أنَّ معاذًا نالَ منهُ ، فأَتَى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فشكا إليهِ معاذًا ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : «يا معاذُ أَفَتَّانٌ أنتَ» . أو «فَاتِنٌ» ثلاثَ مراتٍ : «فلولا صلَّيتَ بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ، واللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ، فإِنَّهُ يُصلِّي وراءَكَ الكبيرُ والضعيفُ وذو الحاجةِ».

( الأمر بتخفيف الصلاة في الفريضة )

وروى مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رجل: يا رسول الله! لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان، فما رأيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- في موعظة أشد غضبا من يومئذ، فقال: «أيها الناس! إنكم منفرون، فمن صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة». وفي رواية : «إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف؛ فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض، فإذا صلى وحده، فليصل كيف شاء».
وقد بوّب الإمام النووي لهذا الحديث بقوله: (أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام)، ثم قال: “معنى حديث الباب ظاهر، وهو الأمر للإمام بتخفيف الصلاة، بحيث لا يخل بسنتها ومقاصدها، وأنه إذا صلّى لنفسه طوّل ما شاء في الأركان التي تحتمل التطويل، وهي: القيام والركوع والسجود، والتشهد دون الاعتدال، والجلوس بين السجدتي . انتهى

فصلاةُ الفريضةِ في المسجد يصلي فيها الجمع الغفير من الناس وهي مجمع المسلمين ، ففيهم الكبير والضعيف والمريض والأعمى والصغير والمرأة والمحتاج والعامل والتاجر وغيرهم فحبهم للصلاة ألزمتهم على الاجتماع لها في المساجد فنجد الغني يصلى وكتفه بكتف العامل الفقير فلا استعلى ولا تكبّر بل حُب ووحدة ، فهنا يأتي المُشرّع لمراعاة هذا الحجم الغفير من الناس بالتخفيف عليهم ومراعاه لظروف بعضهم . فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف ، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير ، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء». (صحيح البخاري)
ففي هذا الحديث الأمر بتخفيف الإمام للصلاة للأمور التي بيّناها سابقا . وعن أنس رضي الله عنه قال : أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان مِن أخفِّ الناسِ صلاةً، في تمامٍ . (صحيح مسلم)

وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه قال : كانَ آخرُ ما عَهدَ إليَّ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ حينَ أمَّرني على الطَّائفِ قالَ لي : «يا عثمانُ تجاوز في الصَّلاةِ واقدرِ النَّاسَ بأضعفِهم فإنَّ فيهمُ الْكبيرَ والصَّغيرَ والسَّقيمَ والبعيدَ وذا الحاجَةِ». (صحيح ابن ماجه)

وعن عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه قال : مَنْ أمَّنَا فَلْيُتِمَّ الركوعَ والسجودَ فإنَّ فينا الضعيفَ والكبيرَ والمريضَ والعابرَ سبيلٍ وذا الحاجةِ هكذا كنَّا نُصَلِي معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. (مجمع الزوائد)

وقد يقول قائل: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في بعض الصلوات بالطور والصافات والمرسلات وأنه صلّى بالأعراف في المغرب قسَّمها بين الركعتين .
قال ابن حجر: طريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان أحياناً يطيل القراءة في المغرب، إما لبيان الجواز، وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول قولاً ويأتي بخلافه، فأقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله تخرج من مشكاة واحدة؛ ليكمل بعضها بعضاً”.
قال ابن القيم: “فالتخفيف أمرٌ نسبي، يرجع إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمرهم بأمر، ثم يخالفه، وقد علم أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة، فالذي فعله هو التخفيف الذي أمر به؛ فإنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من ذلك بأضعاف مضاعفة، فهي خفيفة بالنسبة إلى التي أطول منها، وهديه صلى الله عليه وسلم الذي كان واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه المتنازعون، ويدل عليه ما رواه النسائي وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف، وإن كان ليؤمنا بالصافات. فالقراءة بالصافات من التخفيف الذي كان يأمر به.
ويقول ابن خزيمة في صحيحه : هذا من الإختلاف المباح ، فجائزٌ للمصلي أن يقرأ في المغرب وفي الصلوات كلها بما أحب ، إلا أنه إذا كان إماما أستحب له أن يخفف في القراءة.
وقد عقّب النووي على ذلك بقوله: فيه دليل على تخفيف القراءة والتشهُّد، وإطالة الطمأنينة في الركوع والسجود، وفي الاعتدال عن الركوع والسجود، ونحو هذا قول أنس رضي الله عنه: ما صليتُ خلف أحدٍ أوجز صلاةً من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام.
فالاستحباب في التخفيف في الصلاة أفضل من التطويل إلا إذا كان المأمومين لا توجد لديهم مشقة في التطويل ومع هذا لابد من مراعاه الناس على أوضاعهم.

( فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي )

فكان صلى الله عليه وسلم الذي بُعث رحمةً للعالمين أرحم الناس بأمته فالصلاة التي هي عمود الدين وأول ما يُحاسَب بها العبد يوم القيامة نجده حين كان يؤمُّ الناس وينوي إطالة الصلاة ويسمع بكاء الطفل يغير نيته عليه الصلاة والسلام إلى التخفيف فعن عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلاَةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ» (البخاري ومسلم). فانظر إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تشغله الصلاة عن ما يدور من حوله.

( فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته )

وقصةٌ أخرى عن شداد بن الهاد رضي الله عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء ، وهو حامل حَسَنا أو حُسَينا ، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه ، ثم كبّر للصلاة ، فصلى ، فسجد بين ظهراني صلاته سجدةً أطالها ، قال أبي : فرفعت رأسي ، وإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد ، فرجعت إلى سجودي ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الناس : يا رسول الله ! إنك سجدت بين ظهرني صلاتك سجدة أطلتها ! حتى ظننا أنه قد حدث أمر ، أو أنه يُوحَى إليك ؟ ! قال : «كل ذلك لم يكن ؛ ولكن ابني ارتحلني ، فكرهتُ أن أعجله حتى يقضي حاجته». (صحيح النسائي)

عن أبي قتادةَ صاحبِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ قال : بينَما نحنُ ننتظرُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ في الظهرِ أو العصرِ ، وقد دعاهُ بلالٌ للصلاةِ إذ خرجَتْ عليْنا أمامةُ بنتُ أبي العاصِ – بنتُ ابنةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ – على عاتقِهِ ، فقامَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ في مُصلَّاهُ ، فقُمْنا خلفَهُ ، وهي في مكانِها الذي هي فيه ، فكبَّرَ فكبّرْنا ، حتى إذا أرادَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ أن يركعَ أخذَها فوضعَها ثم ركعَ وسجدَ ، حتى إذا فرغَ من سجودِهِ ثم قامَ أخذَها فردَّها في مكانِها ، فما زالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ يفعلُ ذلك في كلِّ ركعةٍ حتى فرغَ من صلاتِهِ. (المحلي وله شواهد صحيحة)

وفي هذه الأحاديث الثلاثة اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بالأطفال وشفقته عليهم في الصلاة ومراعاة لقلوب أمهاتهم . فنجده في الحديث الأول يُقَصّر الصلاة حتى لا ينفطَّر قلب الأم ويبتعد عن الصلاة والخضوع لله وينصرف لبكاء الطفل . وفي الحديث الثاني نجده يطول في السجود حتى يتمكن الحُسَين من الصعود لظهر جده صلى الله عليه وسلم . وفي الثالث رحمته بأُمامة ومخافته أن تسقط وهي متعلقة برقبته الشريفة فكان يضعها إذا سجد ويحملها إذا قام من السجود . فأي حُبٍّ وأي عَطْفٍ وأي دَرسٍ ودروس نقتبسها من معلمنا صلى الله عليه وسلم ، فعلى النقيض تماماً نجد في وقتنا هذا الأئمة وكبار الناس يصرخون في وجوه الأطفال ويطلبون من الآباء عدم إحضارهم للصلاة حتى لا يشوشوا على المصلين فأين هم من قدوة نبيهم عليه الصلاة والسلام الذي كان يحضر أبنائه معه للصلاة؟؟

(ولستُ أُحسِنُ دندنتَكَ ولا دندنةَ معاذٍ )

هذه معاملة النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال في الصلاة . فكيف كانت معاملته وحكمه على سليم الأنصاري رضي الله عنه الذي صلّى وحده ولم ينتظر معاذ بن جبل رضي الله عنه؟
فعن جابر رضي الله عنه قال : كانَ معاذٌ يَتخلَّفُ عندَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فكانَ إذا جاءَ أمَّ قومَهُ وكانَ رجلٌ من بني سلمةَ يقالُ لهُ سليمٌ يصلِّي معَ معاذٍ فاحتبسَ معاذٌ عنهم ليلةً فصلَّى سليمٌ وحدَهُ وانصرفَ فلمَّا جاءَ معاذٌ أخبرَ أنَّ سليمًا صلَّى وحدَهُ وانصرفَ فأخبرَ معاذٌ ذلكَ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فأرسلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إلى سليمٍ يسألُهُ عن ذلكَ فقالَ : إنِّي رجلٌ أعملَ نهاري حتَّى إذا أمسيتُ أمسيتُ ناعسًا فيأتينا معاذٌ وقد أبطأَ علينا فلمَّا احتبسَ عليَّ صلَّيتُ وانقلبتُ إلى أهلي فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : «كيفَ صنعتَ حينَ صلَّيتَ» قالَ : قرأتُ بفاتحةِ الكتابِ وسورةٍ ثمَّ قعدتُ وتشهَّدتُ وسألتُ الجنَّةَ وتعوَّذتُ منَ النَّارِ وصلَّيتُ على النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ثمَّ انصرفتُ ولستُ أُحسِنُ دندنتَكَ ولا دندنةَ معاذٍ . فضحِكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَ : «هل أدندنُ أنا ومعاذٌ إلَّا لندخلَ الجنَّةَ ونُعاذَ منَ النَّارِ» ثمَّ أرسلَ إلى معاذٍ : «لا تكن فتَّانًا تفتنُ النَّاسَ ارجع إليهم فصلِّ بهم قبلَ أن يناموا» ثمَّ قالَ سليمٌ : ستنظرُ يا معاذُ غدًا إذا لقينا العدوَّ كيفَ تكونُ أو أكونُ أنا وأنتَ قالَ : فمرَّ سليمٌ يومَ أحدٍ شاهرًا سيفَهُ فقالَ : يا معاذُ تقدَّم فلم يتقدَّم معاذٌ وتقدَّمَ سليمٌ فقاتلَ حتَّى قتلَ فكانَ إذا ذكرَ عندَ معاذٍ يقولُ : إنَّ سليمًا صدقَ اللَّهَ وكذبَ معاذٌ. (مجمع الزوائد للهيثمي)

في هذا الحديث أن معاذ رضي الله عنه كان يصلي في المدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء فريضة ثم يعود إلى دياره في بني سلمة فيؤم قومه وكانوا ينتظرونه كعادتهم ومعرفتهم بأنه يصلى العشاء مع النبي صلى الله عيه وسلم فتأخّر يوماً عن القدوم ، وكأن سليم بن الحارث رضي الله عنه قد تَعِبَ من يومٍ شاق في مزرعته فغلبه النعاس أو ما شابه فلما تأخر معاذ عن الصلاة قام سليم وصلى لوحده ثم انصرف لبيته ، والصحابة ينظرون إليه فلما قدم معاذ أخبروه بفعل سليم رضي الله عنه فكأنه أكبره فعله ، وكان لا يفعل ذلك إلا من كان في قلبه نفاق ، فلذلك شكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

فماذ فعل نبينا صلى الله عليه وسلم هل حكم عليه غيابياً أو راعى معاذ وانحاز إليه لمعرفته بقومه كل هذ لم يكن ، حيث قام صلى الله عليه وسلم باستدعاء سليم إليه ويسأله عن الأمر فلما جاوبه سليم رضي الله عنه بما فعله ، لم يؤنبه صلى الله عليه وسلم ولم يغضب عليه بل العكس الصحيح أنه غضب على معاذ . وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يسأل سليم رضي الله عنه عن ما يفعله في الصلاة فجاوب رضي الله عنه بما يفعله وهو صادق في قوله وقال : لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ . فضحك عليه الصلاة والسلام منه ، وقال في رواية أخرى : «حولهما ندندن» . وكان من صِدْقِهِ أن تَقَبّلهُ الله شهيداً في معركة أحد رضي الله عنه.

ونختم بقول عمر رضي الله عنه في هذه المسأله حيث قال : “أَيُّهَا النَّاسُ لا تُبَغِّضُوا اللَّهَ إِلَى عِبَادِهِ ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ : يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا لِلنَّاسِ يُصَلِّي بِهِمْ ، فَلا يَزَالُ يُطَوِّلُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُبَغِّضَ إِلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ ، أَوْ يَجْلِسَ قَاصًّا فَلا يَزَالُ يُطَوِّلُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُبَغِّضَ إِلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ”.

شاركنا عبر شبكات التواصل الاجتماعي التالية:



ضع تعليقك