الأثنين 2 صفر 1439 - 24 أكتوبر 2017
جديد الموقع
بحث
التصنيفات
» حادثة شق الصدر .. (هَذَا حَظُُُّ الشَّيْطَانِ في الإسْلاَمِ مِنْك)

سلسلة (من سيرته صلى الله عليه وسلم)
حادثة شق الصدر

لنبينا صلى الله عليه وسلم الكثير من المعجزات والخوارق كما لغيره من الأنبياء السابقين عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم منذ ولادته إلى وفاته صلى الله عليه وسلم منها ما جاءت في كتابه الكريم كحادثة الإسراء والمعراج ، ومنها ما جاءت بها الأحاديث الصحاح ، والكثير منها جاءت متواترة وبعضها مرسلة وضعيفة وموضوعة ، وقد شكك في هذه المعجزات الكثير من هم على الإسلام فخاضوا فيها تحليلا وتخبيطا فقدّموا عقولهم الضالة على ما قرره القرآن وجاءت به السنة فهلكوا، وهذا ابتلاء من الله عز وجل للتصديق برسالة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يُسَلِّم بما جاء به إلا المؤمنون ، ونلاحظ في عنوان الموضوع «هذا حظُّ الشيطان في الإسلام منك» وهي العلقة السوداء التي يدخل منها الشيطان إلى قلب المسلم فيوسوس له ما يشاء من تشكيك بالإسلام وما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من معجزات تخالف المعقول والطبيعة البشرية ، فلذلك وقع الكثير من علماء المسلمين ومشايخهم في هذه الوسوسة فقدَّموا العقلَ على النقل فنفوا الكثير من السنة وأوّلوا المتشابه والأحكام.

ومن هذه الخوارق والمعجزات حادثة شقِّ الصدر ، وهي حادثة صحيحة ذُكرت في صحيحي البخاري ومسلم وغيرها من السنن . وهي حوادث مرّت على ثلاثة مراحل :
– المرحلة الأولى عندما كان صلى الله عليه وسلم طفلا مسترضعا في بني سعد وشُقَّ صدره لنزع علقة الشيطان من قلبه.
– المرحلة الثانية عند بداية البعثة ليتلقى ما يوحى إليه بقوة وثبات ويقين.
– المرحلة الثالثة عند حادثة الإسراء ليتأهب للوفود إلى الملأ الأعلى ، ولمناجاة الرب عز وجل.

وفي شَقِّ صدره يقول ابن حجر العسقلاني في الفتح : وقد استنكر بعضهم وقوعَ شَقِّ الصدر ليلة الإسراء، وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك، فقد تواردت الروايات به. وثبت شقُّ الصدر أيضًا عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في “الدلائل”، ولكل منها حكمة؛ فالأوَّل وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس: فأخرج علقةً، فقال: «هذا حظُّ الشيطان في الإسلام منك». وكان هذا في زمن الطفولة، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان في الإسلام. ثم وقع شقُّ الصدر عند البعث زيادة في إكرامه ليتلقَّى ما يُوحَى إليه بقلب قويٍّ في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شقُّ الصدر عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهَّب للمناجاة، ويُحْتَمَل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرَّة الثالثة كما تقرَّر في شرعه ، ويُحتمل أن تكون الحكمة في انفراج سقف بيته الإشارة إلى ما سيقع من شقِّ صدره، وأنه سيلتئم بغير معالجة يتضرَّر بها. وجميع ما ورد من شقِّ الصدر واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة ممَّا يجب التسليم له دون التعرُّض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك، قال القرطبي في (المفهم): “لا يُلْتَفَتْ لإنكار الشقِّ ليلة الإسراء؛ لأن رواته ثقات مشاهير.

المرحلة الأولى : من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه كان منذ طفولته في بادية بني سعد مسترضعا عندهم ، وبنو سعد قبيلة عدنانية قيسية النسب ينتسبون إلى سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، وأمه : أم سعد بنت عَوِذمناة بن يقدُم بن أفصي بن دُعمي بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان . وبنو سعد من أفصح العرب لغة فلذلك خصهم الله باسترضاع سيد البشرية في ديارهم ومن بني سعد الكثير من الصحابة منهم أبو مسروح السعدي وشريح بن عامر السعدي وعطية بن عزوة السعدي والسيدة حليمة السعدية وزوجها وأبنائهم ذُكر أن لهم صحبة وهم آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة ، فبنو سعد أعمام وأخوال النبي صلى الله عليه وسلم فأيُّ شرفٍ بعد هذا الشرف . ولذلك يوم حنين حين هُزِمَت هوازن ووقع في الأسر الكثير من بني سعد قَدِمَ وفدُ هوازن على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلم زعيمهم أبو صرد زهير بن جرول الجشمي رضي الله عنه وهو من بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن.

ففي الحديث الذي حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة من حديث زهير بن جرول : لما أسَرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومَ حُنَينٍ يومَ هوازنٍ وذهب يُفرِّقُ الشُّبَّانَ والسَّبيَ أنشدتُه هذا الشِّعرَ:

امنُنْ علينا رَسولَ اللهِ فِي كَرمٍ … فَإِنَّكَ المَرءُ نَرجوهُ ونَنتظِرُ
امنُنْ عَلى بَيضَةٍ قد عاقها قَدَرٌ … مُفَرَّقًا شَملُها فِي دَهرِهَا غِيَرُ
أَبقَتْ لَنَا الدَّهرَ هَتَّافًا عَلَى حُزُنٍ … على قُلوبهمُ الغمَّاءُ وَالغُمَرُ
إِن لَم تَدَارَكْهُمُ نَعماءُ تَنشُرُهَا … يَا أَرجَحَ النَّاسِ حِلمًا حِينَ يُخْتَبَرُ
امنُنْ عَلَى نِسوَةٍ قَد كُنتَ تَرضَعُهَا … وَإِذ يَزِينُكَ مَا تأتي وما تَذَرُ
لا تجعَلَنَّا كَمن شَالَتْ نَعامَتُهُ … فَاستَبِقِ مِنَّا فَإِنَّا مَعشَرٌ زُهَرُ إإ
إنا لَنَشكُرُ لِلنَّعمَاءِ إِذ كُفِرَتْ … وعندَنَا بَعدَ هذا اليومِ مُدَّخَرُ
فَأَلْبِسِ العَفوَ مَنْ قَد كُنتَ تَرضَعُهُ … مِن أُمَّهَاتِكَ إِنَّ العَفوَ مُشتَهَرُ
يَا خَيرَ مَن مَرحَتْ كَمْتُ الجِيَادِ بِهِ … عِندَ الهَيَّاجِ إِذا ما استَوقَدَ الشَّرَرُ
إِنَّا نُؤمِّلُ عَفوًا منكَ نَلبَسُهُ … هَادي البَرِيَّةِ إِذ تَعفو وتنتَصِرُ
فَاعفُ عَفا اللهُ عَمَّا أنتَ راهِبُهُ … يومَ القيامَةِ إذ يَهدي لَكَ الظُّفَرُ

فلما سمع هذا الشِّعرَ قال : «ما كان لي ولبني عبدِ المُطَّلبِ فهو لكم» . وقالت قريشٌ : ما كان لنا فهو للهِ ولرسولهِ وقالتِ الأنصارُ : ما كان لنا فهو للهِ ولرسولِه .
قال الإمام الألباني رحمة الله عليه : فهذا كله من بركته العاجلة في الدنيا ، فكيف ببركته على من اتبعه في الدار الآخرة ؟!

الشق الأول: ( أهو أهو)

الشاهد أن بني سعد نالهم فضل ابنهم من الرضاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، وعندهم وفي باديتهم كان الشق الأول في طفولته ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ أتاهُ جبريلُ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وَهوَ يلعَبُ معَ الغلمانِ ، فأخذَهُ فصرعَهُ فشقَّ عن قلبِهِ ، فاستَخرجَ القلبَ ، فاستَخرجَ منهُ علَقةً ، فقالَ : هذا حظُّ الشَّيطانِ منكَ ، ثمَّ غسلَهُ في طَستٍ من ذَهَبٍ بماءِ زمزمَ ، ثمَّ لأَمَهُ ، ثمَّ أعادَهُ في مَكانِهِ ، وجاءَ الغِلمانُ يسعَونَ إلى أمِّهِ (يَعني ظئرَهُ) فقالوا : إنَّ محمَّدًا قد قُتِلَ ، فاستَقبلوهُ وَهوَ مُنتقعُ اللَّونِ ، قالَ أنسٌ : وقد كنتُ أرى أثرَ ذلِكَ المِخيَطِ في صدرِهِ.

وفي حديث آخر من رواية عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال : «كانت حاضنتي من بني سعدِ بنِ بكرٍ ، فانطلقتُ أنا وابنٌ لها في بُهمٍ لنا ولم نأخُذْ معنا زادًا فقلتُ : يا أخي اذهَبْ فأتِنا بزادٍ من عند أمِّنا فانطلق أخي ومكثتُ عند البُهمِ فأقبل طائران أبيضان كأنَّهما نَسران فقال أحدُهما لصاحبِه : أهو هو ؟ قال الآخرُ : نعم ، فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقَّا بطني ، ثمَّ استخرجا قلبي فشقَّاه فأخرجا منه علَقتَيْن سوداوَيْن ، فقال أحدُهما لصاحبِه : ائتِني بماءِ ثلجٍ ، فغسل به جوفي ، ثمَّ قال : ائتني بماءِ برَدٍ ، فغسل به قلبي : ثمَّ قال : ائتني بالسَّكينةِ ، فذَرَّه في قلبي ، ثمَّ قال أحدُهم لصاحبِه : خُطْه فخاطه وختم عليه بخاتمِ النُّبوَّةِ ، ثمَّ قال أحدُهم لصاحبِه : اجعَلْه في كِفَّةٍ واجعَلْ ألفًا من أمَّتِه في كِفَّةٍ قال رسولُ اللهِ : فإذا أنا أنظُرُ إلى الألفِ فوقي أُشفِقُ أن يخِرَّ عليَّ بعضُهم ، فقال : لو أنَّ أمَّتَه وُزِنت به لمال بهم ، ثمَّ انطلقا فتركاني قال رسولُ اللهِ : وفرَقت فرَقًا شديدًا ثمَّ انطلقتُ إلى أمِّي فأخبرتُها ، بالَّذي لقيتُ ، فأشفقتُ أن يكونَ قد التبس بي ، فقالت أُعيذُك باللهِ ، فرحَّلتْ بعيرًا لها فجعلتني على الرَّحلِ وركِبتْ خلفي حتَّى بلغنا إلى أمِّي فقالت : أدَّيْتُ أمانتي وذِمَّتي ، وحدَّثتُها بالَّذي لقيتُ فلم يرُعْها ذلك وقالت : إنِّي رأيتُ خرج منِّي نورٌ أضاءت منه قصورُ الشَّامِ». (السلسلة الصحيحة)
هذا هو الشق الأول للنبي صلى الله عليه وسلم وهو التطهير من رِجس الشيطان بإستئصال العلقة وغسل القلب وملؤه بالسكينة والرحمة وختمه بخاتم النبوة حتى لا يكون للشيطان حظّاً عليه ، فنجده صلى الله عليه وسلم في طفولته وشبابه لا يشارك أقرانه من الأطفال والشباب ملذاتهم ونزواتهم التي فيها ما يخالف مقام النبوة ، فلم يسجد لصنم قط ولم يذبح لغير الله ولا شرب خمراً ، حتى أنه عندما أراد أن يرفع إزاره لحمل الحجارة أغشي عليه فلم يرفعه بعد ذلك ففي الحديث الصحيح : «لما بنيتِ الكعبةُ ذهب النبيَّ صلى الله عليه وسلم وعباسٌ ينقلانِ حجارةً , فقال العباسُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم : اجعل إزاركَ على عاتِقِكَ من الحجارة ؛ ففعل , فخرَّ إلى الأرضِ وطَمَحَتْ عيناهُ إلى السماءِ . ثم قام فقال : (إزاري ، إزاري) فشدَّ عليه إزارهُ». (صحيح مسلم)

المرحلة الثانية: وهي مرحلة النبوة والثبات على الشدايد ونلاحظها أنها بدأت بالسلام عليكم وهي تحية المسلمين في الدنيا وفي الجنة وهي كلمة تدل على الأمن والراحة والإطمئنان وأنها بداية الدعوة وأنها خير فلذلك قالت السيدة الأولى خديجة رضي الله عنها : أبشر يا ابن عبدالله فإن السلام خير ، فكان جبريل عليه السلام يريد أن يطمئن نبينا فلذلك بادره بالسلام وهي مقدمة الشق الثاني.

الشق الثاني: (السلام عليكم)

أما الشق الثاني الذي تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان في بداية البعثة ففي الحديث الذي أخرجه ابن نعيم في دلائل النبوة بسند قوي كما قال ابن حجر وغيره من حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا هُوَ وَخَدِيجَةُ بِحِرَاءٍ فَوَافَقَ ذَلِكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَخَرَجَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَسَمِعَ: «السَّلَامُ عَلَيْكَ» «فَظَنَنْتُهَا فَجْأَةَ الْجِنِّ فَجِئْتُ مُسْرِعًا حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى خَدِيجَةَ فَسَجَّتْنِي ثَوْبًا وَقَالَتْ: مَا شَأْنُكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: سَمِعْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ فَظَنَنْتُهَا فَجْأَةَ الْجِنِّ فَقَالَتْ: أَبْشِرْ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّ السَّلَامَ خَيْرٌ قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ مَرَّةً فَإِذَا بِجِبْرِيلَ عَلَى الشَّمْسِ جَنَاحٌ لَهُ بِالْمَشْرِقِ وَجَنَاحٌ لَهُ بِالْمَغْرِبِ قَالَ: فَهِلْتُ مِنْهُ فَجِئْتُ مُسْرِعًا فَإِذَا هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْبَابِ فَكَلَّمَنِي حَتَّى أَنِسْتُ بِهِ ثُمَّ وَعَدَنِي مَوْعِدًا فَجِئْتُ لَهُ فَأَبْطَأَ عَلَيَّ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَإِذَا أَنَا بِهِ وَمِيكَائِيلُ قَدْ سَدَّا الْأُفُقَ فَهَبَطَ جِبْرِيلُ وَبَقِيَ مِيكَائِيلُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَأَخَذَنِي جِبْرِيلُ فَاسْتَلْقَانِي لِحَلَاوَةِ الْقَفَا ثُمَّ شَقَّ عَنْ قَلْبِي فَاسْتَخْرَجَهُ ثُمَّ اسْتَخْرَجَ مِنْهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْتَخْرِجَ ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ أَعَادَهُ مَكَانَهُ ثُمَّ لَأَمَهُ ثُمَّ أَكْفَأَنِي كَمَا يُكْفَأُ الْأَدِيمُ ثُمَّ خَتَمَ فِي ظَهْرِي حَتَّى وَجَدْتُ مَسَّ الْخَاتَمِ فِي قَلْبِي ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ وَلَمْ أَكُ قَرَأْتُ كِتَابًا قَطُّ فَلَمْ أَجِدْ مَا أَقْرَأُ ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ قُلْتُ: مَا أَقْرَأُ؟ قَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} حَتَّى انْتَهَى إِلَى خَمْسِ آيَاتٍ مِنْهَا، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدُ ثُمَّ وَزَنَنِي بِرَجُلٍ فَوَزَنْتُهُ ثُمَّ وَزَنَنِي بِآخَرَ فَوَزَنْتُهُ حَتَّى وَزَنَنِي بِمِائَةِ رَجُلٍ فَقَالَ مِيكَائِيلُ: تَبِعَتْهُ أُمَّتُهُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ فَجَعَلْتُ لَا يَلْقَانِي حَجَرٌ وَلَا شَجَرٌ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى خَدِيجَةَ قَالَتِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ».

وهذا الشق الثاني وهو شق تحمل ما يلاقيه من همِّ الدعوة والصبر عليها وتلقّي ما يُوحَى إليه من آيات وأحكام ربانية وعدم نسيانها لقوله : «فما نسيت شيئا بعد» . وهو ما بينه ابن حجر في فتح الباري حيث قال : ثم وقع شقُّ الصدر عند البعث زيادة في إكرامه ليتلقَّى ما يُوحَى إليه بقلب قويٍّ في أكمل الأحوال من التطهير.

المرحلة الثالثة: وهي المرحلة الأخيرة من شق الصدر وبها اكتمل خلق النبي صلى الله عليه وسلم وملئ قلبه وجوفه من الطهور والحكمة والإيمان ما يؤهله ليكون سيد الإنس والجن وصاحب الفردوس الأعلى ومشفع البشرية وهي مرحلة الطهور حيث كتبت وفرضت الصلاة عند سدرة المنتهى من الله سبحانه وتعالى مباشرة لنبينا صلى الله عليه وسلم وبدون واسطة الوحي ولأن الصلاة لله فلا تفرض إلا من الله وحده.

الشق الثالث: (وهن خمسون لا يبدل القول لدي)

أما الشق الثالث والأخير وهو الذي وقع له في بيته عند الحرم عند تأهبه للإسراء والمعراج وملاقاة ومناجاة الله عزو وجل في السماوات العُلى.
فقد صحح الألباني في صحيح الجامع حديث ابن عباس وأبو حبة البدري رضي الله عنهم أنهما حدثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «فُرّجَ سقفُ بيتِي وأنا بمكةَ فنزلَ جبريل ففرجَ صدرِي ، ثم غسلهُ بماء زمزمَ ، ثم جاء بطستٍ من ذهبٍ ممتلِئ حكمةً وإيمانا ، فأفرغها في صدري ، ثم أطبقهُ . ثم أخذَ بيدي فعرجَ بي إلى السماءِ الدنيا ، فلما جئْنا السماءَ الدنيا ، قال جبريلُ لخازِنِ السماءِ الدنيا : افتحْ ، قال من هذا ؟ قال : هذا جبريلُ . قال هل معك أحدٌ ؟ قال : نعم ، معي محمد . قال : فأُرسلَ إليهِ؟ قال نعمْ ، فافتَحْ . فلما علونا السماءَ الدنيا فإذا رجلٌ عن يمينِهِ أُسْوِدَةٌ ، وعن يسارهِ أُسْودَةٌ ، فإذا نظرَ قبلَ يمينهِ ضحِكَ ، وإذا نظرَ قبلَ شمالهِ بكى ، فقال : مرحبا بالنبي الصالحِ ، والابنِ الصالحِ قلتُ : يا جبريلُ من هذا؟ قال : هذا آدَمُ ، وهذهِ الأُسْودَة عن يمينهِ وعن شمالهِ نَسَمُ بنيهِ ، فأهلُ اليمينِ أهل الجنةِ ، والأُسْودةُ التي عن شمالِهِ أهلُ النارِ ، فإذا نظرَ قِبَل يمينهِ ضحكَ ، وإذا نظرَ قبلَ شمالهِ بكَى . ثم عرجَ بي جبريلُ حتى أتى السماءَ الثانيةَ ، فقال لخازنها : افتحْ : فقال له خازنها مثلَ ما قالَ خازنُ السماءِ الدنيا ، ففتحَ . فلما مررتُ بإدْرِيسَ قال : مرحبا بالنبي الصالحِ والأخِ الصالحِ فقلت : من هذا ؟ قال هذا إدريسُ . ثم مررتُ بموسى ، فقال : مرحبا بالنبي الصالحِ والأخِ الصالحِ ، فقلتُ : من هذا ؟ قال : هذا موسى . ثم مررتُ بعيسى ، فقال : مرحبا بالنبي الصالحِ والأخِ الصالحِ ، قلت : من هذا ؟ قال : هذا عيسى ابن مريمَ . ثم مررتُ بإبراهيمَ ، فقال : مرحبا بالنبي الصالحِ والابنِ الصالحِ ، قلت : من هذا ؟ قال هذا ابراهيمُ . ثم عرجَ بى حتّى ظهرتْ بمستَوى أسمعُ فيه صريفَ الأقلامِ ، ففرضَ اللهُ عز وجل على أمّتي خمسينَ صلاة ، فرجعتُ بذلكَ حتّى مررتُ على موسى ، فقال موسى : ماذا فرضَ ربكَ على أمّتكَ ؟ قلت : فرضَ عليهِم خمسينَ صلاةً . قال لى موسى : فراجعْ ربكَ ، إن أمّتكَ لا تُطيقُ ذلكَ ، فراجعتُ ربى ، فوضعَ شطرها ، فرجعتُ إلى موسى فأخبرتهَ ، فقال : راجعْ ربكَ فإن أمتكَ لا تطيقُ ذلكَ ، فراجعتُ ربى ، فقال : هُنّ خمسٌ ، وهُنّ خمسونَ لا يُبَدّلُ القوْلُ لَدَىّ ، فرجعتُ إلى موسى ، فقال : راجعْ ربكَ ، قلتُ : قد استحييتُ من رَبّى . ثم انطلقَ بى حتى انتهى إلى سدرةِ المُنْتهى ، ونبْقُها مثلُ قِلالِ هَجَرَ ، وورقُها كآذانِ الفيلةِ ، تكادُ الورقةُ تغطّى هذِه الأمهِ ، فغشيها ألوانٌ لا أدري ما هيَ ؟ ثم أدخلتُ الجنةَ فإذا فيها جنابِذُ اللؤلؤِ ، وإذا ترابها المسكُ» وهذا الحديث له شواهد صحيحه في البخاري ومسلم واكتفينا بهذا الحديث لشموله.

وهذا الشِقّ وانشراح الصدر وغسل القلب بالماء والثلج جاء كما في الحديث الشريف لملاقاة الأنبياء والصلاة بهم وثم الإعراج إلى السماوات ومقابلة الملائكة الكرام ومشاهدة الجنة والنار والأمور الغيبية التي أخبرنا عنها ثم مرورا وصعودا إلى ملاقاة رب العزة والملكوت حيث صرير الأقلام وما لا يطيق جبريل عليه السلام أن يتقدم خطوة نحوه ومناجاة الله عز وجل حيث لا بشري قبله ولا بعده استطاع أن يصل إلى ما وصل إليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث سدرة المنتهى.

ونلاحظ أن الشق الثالث غسل القلب بماء زمزم وهو أطهر وأنقى ماء على الأرض ولم يستخرج من قلبه شي كما في الشق الأول والشق الثاني إنما ملأ حكمة وإيمان.

وقال السهيلي في هذا الشق: كان هذا التقديس وهذا التطهير عندما أراد أن يرفعه إلى الحضرة المقدسة ، وليصلي بملائكة السماوات ، ومن شأن الصلاة الطهور ، فقدس باطناً وظاهراً ، ومُلئ قلبه حكمةً وإيماناً ، وقد كان مؤمنا ، ولكن الله تعالى قال : {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31]

هذه هي مراحل شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم جاءت بأسانيد صحيحة لا مجال للشك فيها ولا لتقديم العقل عليها ، وقال الحافظ بن حجر في فتح الباري : وجميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته ، لصلاحية القدرة ، فلا يستحيل شيء من ذلك.

لكن الطبيعة البشرية تأبى إلا النكران والخوض في التشكيك فمنذ الأزل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يلاقون صنوف التكذيب والاستئهزاء بمعجزاتهم بدءًا بسفينة نوح وناقة صالح ونار إبراهيم وزمزم إسماعيل ومعجزات موسى السبع وشق البحر ومُلك سليمان والتابوت الذي حملته الملائكة وحمار العزير وحوت يونس وولادة عيسى بدون أب . كل هذه المعجزات وغيرها التي حصلت للأنبياء السابقين عليهم السلام تعرضت للتشكيك من أقلام وأفكار تلاميذ إبليس للطعن في هذا الدين فلاقت قبول في من لم يحصن نفسه بأصول الدين وعقيدته وسلم نفسه وهواها لعقله الناقص فلو اتبع سنن الهدى لنجى ، فالخير كل الخير في اتباع سنة نبية صلى الله عليه وسلم والتسليم بما جاء به من آيات وأدلة فهو يقول : «قدْ تركتُكم على البيضاءِ ليلُها كنهارِها ، لا يزيغُ عنها بعدي إلَّا هالِكٌ».
فالحمدلله على الهداية وسلامة النية.

شاركنا عبر شبكات التواصل الاجتماعي التالية:



ضع تعليقك