الأثنين 2 صفر 1439 - 24 أكتوبر 2017
جديد الموقع
بحث
التصنيفات
» ماء الرجيع .. (فلستُ أُبالي حين أُقتْلُ مُسْلِماً .. عَلَى أيِّ جَنْبٍ كَان فِي اللهِ مَصْرَعِي)

سلسلة (من سيرته صلى الله عليه وسلم)
ماء الرجيع

بَعْثُ الرَّجِيعِ وهي من الفواجِع التي ألمَّت بالمسلمين نتيجةَ تكالب أهل الأوثان على المسلمين بعد هزيمتهم في أُحُد فأخذت القبائل العربية المُشرِكة تتحيَّنُ الفُرَص للنيل من المسلمين فبعد مقتلِ سبعينَ صحابياً في أُحُد ، تشجَّعَت قبيلة أسد بن خزيمة بن مدركة (قبيلة أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها) وقبيلة هذيل بن مدركة (قبيلة عبدالله بن مسعود رضي الله عنه) على غزوِ المدينة ، ولكنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم باغَتَهُم قبل هجومهم ، فبعث صحابياً واحداً فقط وهو الصحابي عبدالله بن أنيس الأنصاري رضي الله عنه لفك عقد قبيلة هذيل فقتل زعيمها خالد بن سفيان بن نجيح ورجعت هذيل عن الغزو ، أما بنو أسد فقد أرسل لهم النبي صلى الله عليه وسلم سَرِيَّة بقيادة أبو سلمة رضي الله عنه فشتت شملَهُم وعادَ مُنتصرا . لكن هذيل لم تنسَ مقتل زعيمها ، فذهبت لقبيلة الهون بن خزيمة بن مدركة وألَّبَتْ قبائل عِضل والقارة وهما قبيلتان من قبائل الهون بن خزيمة على الغدر بالمسلمين ، فانطلق وفدٌ من عضل والقارة للمدينة .
ففي الحديث الذي في مجمع الزوائد للهيثمي بسندٍ رجالُه ثقات : قَدِمَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أُحُد نفرٌ من عَضل والقارة فقالوا : يا رسول الله إن فينا إسلاماً فابعث معنا نفراً من أصحابك يُفَقِّهونا في الدين ويُقْرِئونا القُرْآن ويُعَلِّمونا شرائعَ الإسلام فَبَعَثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم نفراً من أصحابه … فذكر القصة.

موقع الرجيع : هو ماءٌ قريبٌ من منازل هُذَيل ما بين عُسفان ومكة ويقرب من مكة بحوالي سبعين كيلومتر.

تاريخ السرية : كانت في الثلاثين من شوال سنة ثلاث من الهجرة.

تراجم الصحابة السبعة المذكورين في كتب السيرة :
استجاب النبي صلى الله عليه وسلم لطلب قبيلتي عضل والقارة فشكَّلَ سَرِيَّة من خِيرةِ علماء الصحابة لينشروا الإسلام في تلك النواحي على خلافٍ في عددهم فقيل ستة وقيل عشرة وهم:

1. أبو سليمان عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري من بني عمرو بن عوف من أهل قباء من الأوس . في حلية الأولياء : ومنهم الطاهر الزكي ، العاهد الوفي ، عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري ، وفى لله تعالى في حياته ، فحماه الله تعالى من المشركين بعد وفاته.
وهو أمير القوم في رواية البخاري وهو من خيار الصحابة عِلْماً وفِقْهاً وشجاعةً ، شَهِدَ العقبةَ وبدراً وأُحُد . وكان يوم بدر قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : «كيفَ تُقاتلون إذا لقيتموهم» فقام عاصمُ بنُ ثابتٍ فقال : يا رسولَ اللهِ إذا كان القومُ منا حيث ينالُهم النبلُ كانت المراماةُ بالنبلِ فإذا اقتربوا حتى تنالَنا وإياهم الحجارةُ كانت لهم المراضخةُ بالحجارةِ وأخذ ثلاثةَ أحجارٍ حجرًا في يدِه وحجرينِ في حجزتِه فإذا اقتربوا حتى تنالَنا وإياهم الرماحُ كانت المداعسةُ بالرماحِ فإذا انقضت الرماحُ كانت الجلادُ بالسيوفِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : «بهذا أُنزِلَت الحربُ مَن قاتلَ فليقاتلْ قتالَ عاصمٍ». (الحديث ضعيف)

وبعد هزيمة المشركين يوم بدر أَمَر النبي صلى الله عليه وسلم عاصم بن ثابت رضي الله عنه بقتل رأس الكفر عقبة بن أبي معيط الأموي فَقَطَعَ عُنقه صبرا ، ويوم أُحُد خرج عاصم مُلَبيا للجهاد فشارك في المعركة من بدايتها وقتل اثنان من حاملي راية المشركين وهما مسافع بن طلحة بن أبي طلحة وأخاه كلاب وقيل الحارث كلما رمى أحدهم بسهم أتى أمه سلافة بنت سعد بن الشهيد الأوسية وهي من قبيلة عاصم بن ثابت من بني عمرو بن عوف فتقول لابنها من رماك : فيقول: سمعت رجلا حين رماني يقول: خذها وانا ابن الأقلح ، فعرفته فنذرت إن أمكنها الله تعالى من رأس عاصم لتشربن فيه الخمر. وأعلنت بين العرب أن من جاء برأسه له مائة ناقة.

2. مرثد بن أبي مرثد بن الحصين الغنوي . وفي رواية أنه أمير القوم . حليف حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه أسلم مع أهل بيته قديماً وهو من السابقين الأولين ومن المهاجرين شهد بدراً وأُحُد وكان رضي الله عنه قوي يحمل الأسارى من مكة إلى المدينة بعد الهجرة فعن عبدالله بن عمرو بن العاص قال : كانَ رجلٌ يُقالُ لَهُ : مُرثَدُ بنُ أبي مَرثَدٍ ، وَكانَ رجلًا يحملُ الأسرَى مِن مَكَّةَ حتَّى يأتيَ بِهِمُ المدينةَ ، قالَ : وَكانت امرأةٌ بَغيٌّ بمَكَّةَ يُقالُ لَها : عَناقٌ وَكانت صديقةً لَهُ ، وإنَّهُ كانَ وعدَ رجلًا مِن أُسارَى مَكَّةَ يحملُهُ ، قالَ : فَجِئْتُ حتَّى انتَهَيتُ إلى ظلِّ حائطٍ مِن حَوائطِ مَكَّةَ في لَيلةٍ مُقْمِرَةٍ ، قالَ : فجاءَتْ عَناقٌ فأبصرَتْ سَوادَ ظِلِّي بجنبِ الحائطِ فلمَّا انتَهَتْ إليَّ عرفَتْهُ ، فقالت : مَرْثَدُ؟ فقلتُ : مَرْثَدُ. قالت: مَرحبًا وأهْلًا هَلُمَّ فَبِتْ عندَنا اللَّيلةَ قلتُ: يا عَناقُ حرَّمَ اللَّهُ الزِّنا ، قالت : يا أهْلَ الخيامِ ، هذا الرَّجلُ يحملُ أسراكُم ، قالَ : فتبِعَني ثمانيةٌ وسلَكْتُ الخَندمَةَ فانتَهَيتُ إلى كَهْفٍ أو غارٍ فدخَلْتُ ، فجاءوا حتَّى قاموا علَى رأسي فبالوا فظلَّ بَولُهُم علَى رأسي وأعماهُم اللَّهُ عنِّي ، قالَ : ثمَّ رجَعوا ورجعْتُ إلى صاحبي فحملتُهُ وَكانَ رجلًا ثقيلًا حتَّى انتَهَيتُ إلى الإذْخِرِ ، ففَكَكتُ عنهُ كبلَهُ فجعلتُ أحمِلُهُ ويُعْييني حتَّى قَدِمْتُ المدينةَ ، فأتَيتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقلتُ : يا رسولَ اللَّهِ ، أنكِحُ عَناقًا ؟ مرَّتَينِ فأمسَكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فلم يردَّ عليَّ شيئًا حتَّى نزلَتْ : {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور: 3] ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ : «يا مَرْثَدُ الزَّاني لا ينكحُ إلَّا زانيةً أو مُشْرِكَةً والزَّانيةُ لا ينكحُها إلَّا زانٍ أو مُشرِكٌ ، فلا تنكِحْها». (صحيح الترمذي)

3. خالد بن البكير الليثي وقيل بن أبي البكير : من خيار الصحابة وأمه عفراء بنت عبيد الأنصاري رضي الله عنها من السابقين الأولين أسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم مع أخوته وهاجروا معا إلى المدينة وشهد بدرا وأُحُد ، وآخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين خالد بن البكير وبين زيد بن الدثنة وكلاهما استُشْهِدا في الرجيع .

4. خبيب بن عدي الأنصاري : من بني جحجبا بن كلفة من الأوس من علماء وزهاد الصحابة شهد بدراً عند البخاري والمحدثين ونفاه أصحاب السير والمغازي ولم يثبتوا أنه شهد بدراً وأجمعوا على أنه شهد أُحُد وقُتِلَ مصلوباً بمكة.

5. عبدالله بن طارق البلوي : من قبيلة بلي من قضاعة حليف بني ظفر من الأوس أمه اسمها : عبده الكاهلية من بني عذرة . أسلم مع من أسلم من قبيلته وشهد بدراً وأُحُد وكان من الشجعان المشهورين والعلماء المعروفين في المدينة فلذلك نال ثقة النبي صلى الله عليه وسلم فبعثه مع عاصم بن ثابت رضي الله عنه لنشر الإسلام في ربوع قبائل عضل والقارة حيث قتل في الظهران كما سيأتي.

6. معتب بن عبيد االأنصاري : من بني ظفر من الأنصار وهو أخو عبدالله بن طارق لأمه شهد بدراً وأُحُد.

7. زَيْد بن الدَّثِنَة بن مُعَاوِيةَ بن عُبَيْد بن عَامِر بن بَيَاضَةَ بن عامر بن زُرَيق بن عبد حارثة بن مالك بن غضْب بن جُشَم بن الخزرج، الأنصاري الخزرجي البياضي . صحابي آخَى رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم بين زيد بن الدَّثنَة وخالد بن أبي البُكَيْر الليثي رضي الله عنه . شهد بدرا وأُحُد . كان رضي الله عنه مُحِباً للعلم وكان يجتهد في طلب العلم مع أخوه في الإسلام خالد بن أبي البكير فلذلك حين طلبت قبيلتي عضل والقارة من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم من يفقهم في الدين بعث زيد بن الدثنة وأخاه في الإسلام خالد بن البكير مع بقية العشرة ، وحين غدر بهم المشركون كان زيد بن الدثنة من ضمن ثلاثة من الصحابة وافقوا على أن يسلموا أنفسهم ، وفي الطريق قُتل عبدالله بن طارق رضي الله عنه وبقى خبيب وزيد فباعوهما لأهل مكة، حيث قتله صفوان بن أمية بأبيه .
فمن قال انهم ستة اخرجوا معتب بن عبيد واتفقوا على البقية ومن قال انهم عشرة فلم يذكروا إلا سبعة فقط وهم الذين ذكرناهم.

الأحداث :
بعد أن تشكَّلَت السرية خرج الصحابة من المدينة متجهين جنوباً إلى قبيلتي عضل والقارة فلما وصلوا بالهدأة مكان بين عُسفان ومكة علم بهم أصحاب المنطقة فأرسلوا إلى قبيلة لِحيان بن هذيل يشعرونهم بخبر الصحابة وأنهم وصلوا إلى الهدأة ، فنفروا لهم قرابة المائة رامي منهم واقتصوا آثارهم حتى تمكنوا من اللحاق بهم بعدما وجدوا آثار تمر المدينة في الطريق ، فلما عاينهم الصحابة لجأوا إلى مكان مرتفع وتحصنوا به . هذيل لا تريد قتلهم إنما تريد أن تبيعهم لأهل مكة الموتورون بمصيبتهم يوم بدر ومن قتل منهم يوم أُحُد ، لتحصل منهم بذلك على مالاً ، فلذلك قالوا لهم : استأسروا فإنّا لا نريد قتلكم وإنّما نريد أن نُدخلكم مكّة فنصيب بكم ثمناً. وأعطوهم العهد والميثاق على ذلك.

مقتل عاصم بن ثابت رضي الله عنه :
ميزان القوى ليس في صالح الصحابة فَهُم على أكثر التقديرات عشرة فقط والعدو أكثر من مائة رامٍ ، أي واحد من الصحابة أمامَ عشرة ، فتشاوروا فيما بينهم ، فقال أمير السرية عاصم بن ثابت رضي الله عنه : أيها القوم أما أنا فلا أَنْزِلُ في ذِمَّةِ كَافِر، وكان رضي الله عنه قد أعطى الله عهداً : لا يَمَسُّ مُشرِكاً ولا يَمَسَّه مُشْرِك . تنجُّساً منهم ، ووافق على كلامه معظم الصحابة ورفض ثلاثة أن يُقاتِلوا واستسلموا للمشركين وهم خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة وعبدالله بن طارق رضي الله عنهم ، واستعد البقية للقتال ، وقال عاصم بن ثابت رضي الله عنه وهو يُقاتل : اللَّهُمَّ أخبِرْ عنَّا نبيَّكَ صلى اللهُ عليه وسلم ، وجعل يقاتلهم ويرتجز ورمى حتى فَنِيَتْ نبله ثمّ طَاعَنهم حتى انكسر رُمحه وبقي السيف فقال: اللهّمّ إني حميتُ دينك أوّلَ النهار فاحْمِ لي لحَمي آخره . وكانوا يجرّدون كلّ مَن قُتل من أصحابه، ثمّ قاتل فجرح منهم رجلين وقتل واحدًا وجعل يقول:‏

أنا أبو سُليمانَ وَمِثلي راما .. وَرِثْتُ مَجدي لله مَعْشرًا كراما .. أصيبَ مَرْثدٌ وخالدٌ قِياما

عَلِمَتْ هذيل أنها قتلت عاصم بن ثابت ، وعلمت أنَّ هناك جائزة ماليه مقدارها مائة ناقة لمن أتى برأسه لسلافة بنت سعد بن الشهيد (رضي الله عنها لأنها أسلمت يوم الفتح وهي أم الصحابي الجليل عثمان بن طلحة بن أبي طلحة حامل مفتاح الكعبة). فجثته لا زالت في مكانها فرجعوا ليقطعوا رأسه ويبيعوه لسلافة ولكن الله يحمي أوليائه الصالحين ويستجيب لهم ، فلم يمكنهم منه فقد أرسل جنداً من جنوده تحمي جثته وهي الدُّبر فجعلت تحوم على جثته ولا يستطيعون إليها سبيلاً ، فاتفقوا على أن يأتوا إليه مساءًا ، ولا يعلمون أنه محمي من الله عز وجل ، فحين رجعوا من الليل وجدو أن سيلاً عظيماً قد نزل وحمل الجثة ولا يعلمون أين هي ، فرجعوا خائبين . فلذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين بلغه أن الدبر منعه : حفظ الله العبد المؤمن . فلذلك لقب بحمي الدبر ففي الحديث الصحيح في البخاري : عن أَنَسٍ قال : افْتَخَرَ الحَيَّانِ مِنَ الأنْصارِ : الأوْسُ ، والخَزْرَجُ ، فقالتِ الأوْسُ : مِنَّا غَسِيلُ الملائكةِ ، حَنْظَلَةُ الرَّاهِبِ رضيَ اللهُ عنهُ ، ومِنَّا مَنِ اهْتَزَّ لهُ عَرْشُ الرحمنِ ، سعدُ بْنُ معاذٍ رضيَ اللهُ عنهُ ، ومِنَّا مَنْ حَمَتْهُ الدُّبُرُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بنِ أبي الأَفلَحِ رضيَ اللهُ عنهُ ، ومِنَّا مَنْ أُجِيزَتْ شَهادَتُهُ بشَهادَةَ رَجُلَيْنِ ، خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ رضيَ اللهُ عنهُ ، وقالتِ الخَزْرَجُ : مِنَّا أربعَةٌ جَمَعُوا القرآنَ على عَهْدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمْ يَجْمَعْهُ غيرُهُمْ : زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وأبو زَيْدٍ ، وأُبَيُّ بْنُ كعبٍ ، ومُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رضيَ اللهُ عنهُمْ .

مقتل مرثد بن أبي مرثد الغنوي :
خرج مرثد رضي الله عنه وفي رواية أنه أمير السرية وكان فارسا شجاعا وكان قوي الإيمان يكره الكفر وأهله ولا يرضى لمسلم أن يكون أسرى لديهم ، وكان يحمل ويفك الأسرى من مكة كما مر في ترجمته فكيف يقع هو أسيرا لديهم ! فلذلك قال : والله لا نقبل لمشرك عهدا ، ولا عضدا أبدا . فقاتل القوم حتى قتل شهيدا .

مقتل خالد بن البكير الليثي:
أما خالد بن البكير بن عبديليل الليثي رضي الله عنه فقد كان على مثل رأي عاصم لا يقبل أن يكون أسيراً ويُباع لأهل الكفر والأوثان بعد أن هداه الله للإسلام وعاش لذَّةَ وحلاوة الإيمان وهو أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم مع إخوته ، فقاتل قتال الأبطال فقتل وهو قائماً رضي الله عنه لا ينكسر فعاش حميدا ومات شهيدا رضي الله عنه .

مقتل معتب بن عبيد الظفري :
أما معتب بن عبيد الأنصاري فقد فارق أخاه لأمه فالجنة عنده أطيب وأشوق من أخيه فالسابقون السابقون ، ولا إيثار في العمل الصالح المقرب للجنة فالشهادة على الأبواب فتقدم وقاتل المشركين حتى قُتل شهيدا.

مقتل عبدالله بن طارق البلوي الأنصاري:
فأما عبدالله بن طارق رضي الله عنه فقد فضَّل ألا يقاتل واستسلم للمشركين كما ذكرنا سابقاً وأستأسر ولم يبالي بنظرات أخيه التي تحثه على الجهاد والقتال في سبيل الله ، فأستأسر لغايه يعلمها الله أن يكون قبره في مر الظهران شاهداً على غدر الكفار وإن المؤمن عليه أن لا يثق بالكفار ، فماذا حصل لخبيب وعدي؟ فقد قُتِلوا وعُذِّبوا في مكة وتعرضوا لفِتَن عظيمة قد تَفتِنُ غيرهم ويرتدُّ عن الإسلام . فلما ربطوه بالقسي استشعر غدرهم فلما وصل لممر الظهران تراجع عن المشي معهم وتذكر مقتل أخوه معتب بن عبيد رضي الله عنه ونظراته فقال : والله لا أصحَبُكم، إن لي بهؤلاءِ أُسْوَةً، يُريدُ القتلى، فجَرَّروهُ وعالَجوهُ فأبَى أنْ يصحَبَهم فنزع يده من رباطه ثم أخذ سيفه فانحازوا عنه ، فجعل يشدُّ فيهم ويُفرجون عنه فرموه بالسهام والحجارة حتى قتلوه فقبره بمر الظهران .

مقتل خبيب بن عدي رضي الله عنه :
أما خبيب بن عدي رضي الله عنه فحين وصلوا به الهذليين إلى مكة تشارك على شرائه مجموعة من أهل مكة وحلفائهم ليقتلوه ثأراً لقتلاهم في بدر وأُحُد ، ونجد أن معظم من اشتراه من بني نوفل بن عبد مناف إنتقاماً لمقتل الحارث بن عامر بن نوفل ، يومَ بدر وكان الحارث بن عامر ممن يُحامي على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ويدافع عنه فلذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله يوم بدر ، وقتلَهُ خبيب بن عدي في رواية البخاري وفي رواية أهل السير والمغازي قتله خبيب بن إيساف الأنصاري رضي الله عنه دون معرفته به ، وذلك أن خبيب بن إيساف دخل معركة بدر وهو مُشرِك فَرَفَضَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يشارك معهم.
ففي السلسلة الصحيحة للألباني : عن خبيب بن يساف قال : رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو يريد غزوًا أنا ورجلٌ من قومي ولم نُسلِم فقلنا : إنا نستحي أن يشهد قومُنا مشهدًا لا نشهده معهم قال : «أوَ أسلمتُما ؟» قلنا : لا قال : «فلا نستعينُ بالمشركين على المشركينَ» قال : فأسلمْنا وشهدْنا معه فقتلتُ رجلًا وضربَني ضربةً وتزوَّجتُ بابنتِه بعد ذلك فكانت تقول: لَا عَدِمْتَ رَجُلًا وَشَّحَكَ هَذَا الْوِشَاحَ، فَأَقُولُ: لَا عَدِمْتِ رَجُلًا عَجَّلَ أَبَاكِ النَّارَ. فلذلك حرص بنوه وحلفائهم على الانتقام منه والأخذ بثأرهم فاشتروه. والذين اشتركوا في شرائه :
ـ أبو سروعة عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ، أسلم بعد ذلك يوم فتح مكة.
ـ أبو إهابِ بنِ عزيزِ بنِ قيسِ بنِ سويدِ بنِ ربيعةَ بنِ عدسِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ دارمٍ وكان جده قيسُ بنُ سويدِ أخا عامرِ بنِ نوفلٍ لأُمِّهِ . أسلم أبو إيهاب بعد ذلك يوم فتح مكة.
ـ عبيدُ بنُ حكيمٍ بن أمية السلميُّ ثم الذكوانيُّ اشتراه لأن عتبة بن ربيعة المقتول في بدرا مع المشركين زوج عمته صفية بنت أمية وهي والدة الصحابية الجليلة هند بنت عتبة رضي الله عنها . لم أجد له ترجمة في الصحابة فلعله مات على الكفر .
ـ أميةُ بنُ أبي عبيدةَ بنُ همامِ التميمي وهو من حلفاء الحارث بن عامر بن نوفل . أسلم يوم فتح مكة وهو شيخ كبير .
ـ بنو الحضرمي لمقتل الحارث وعامر بنو الحضرمي مع المشركين في بدرا .
فدفعوه إلى عقبة بن الحارث فبقى أسيراً عندهم حتى انقضت الأشهر الحرم ، وفي فترة الأسر حصلت كرامات من الله عز وجل لعبده الصالح خبيب فإن الله مع عبادة الصالحين .
فتقول أحد بنات الحارث بن عامر وهي زينب بنت الحارث وفي روايات أخرى مارية حاضنة لأبي الحسين بن الحارث بن عامر وكان طفلا حينئذ ومحتمل إنهما كلاهما روت هذه القصة فتقول : والله ما رأيتُ أسيرًا قَطُّ خيرًا من خُبَيبٌ، والله لقد وجَدْتُهُ يومًا يأكلُ قِطْفًا مِن عِنَبٍ في يدهِ، وإنه لَموثَقٌ بالحَديدِ، وما بمكة من ثمرةٍ، وكانت تقول : إنه لَرِزقٌ رَزَقَهُ الله خُبَيبًا. وعندما حان موعد القتل كان خبيب قد قال للمرأة أن تشعره إذا اتفقوا على قتله فلما أخبرته طلب منها موسى ليستحد بها (ينظف عانته) فأعرته ، وكان لها طفلا فغفلت عنه فنزل الطفل لعند خبيب وبيده السكين فأخذه خبيب رضي الله عنه ووضعه على فخذه فالتفتت المرأة فوجدت الطفل على فخذ خبيب والسكين بيده فتقول : فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَها خُبَيْبٌ، فقال: أتَخْشَينَ أن أقتُلَهُ؟ ما كنتُ لأفعل ذلك . أي دين هذا؟ وأي إيمان؟ وأي شجاعة؟ الرجل مقتول صبيحة الغد والسكين بيده والأخذ بالثأر بين يديه . إنها تربية محمد صلى الله عليه وسلم مُعلم البشرية فالمؤمن ليس من شيمته الغدر حتى وهو في أحلك الظروف ، وقد تجلى هذا الموقف في نفس المرأة فحين أسلمت قالت : والله ما رأيتُ أسيرًا قَطُّ خيرًا من خُبَيبٌ . وفي رواية حين رأى المرأة عليها معالم الخوف على ولدها قال لها : ما كان يؤمِّنكِ أن أذبحه بهذا الموسى ، وأنتم تريدون قتلي غداً؟ فقالت له : إني أمنتك بأمان الله ! فخلي سبيله . فقال: ما كنتُ لأفعل ـ أي أقتله ـ . ولهذا الموقف يقول سيد البشرية : «أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنَكَ ، ولا تخُنْ من خانكَ» (صحيح أبي داود للألباني)

وفي صبيحة اليوم التالي خرج به القومِ الذين اشتركوا في شرائه وخرج معهم أهلُ مكةَ شيوخهم ونسائهم وصبيانهم وعبيدهم وخرجوا معهم بخشبةٍ حتى إذا كانوا خارج الحرم بالتنعيمِ نصبوا تلك الخشبةَ فصلبوهُ عليها ، فقال لهم خبيب وهو موثوق بالحبال : دعوني أُصلي ركعتينِ، فترَكوهُ فركعَ ركعتينِ خفيفتين ثم انصرف ، فقال: والله لولا أنْ تحسِبوا أنْ بي جزَعٌ لزِدْتُ . فكان خبيب رضي الله عنه أول من سَنَّ هذه الصلاة قبل القَتْل فيقول أبو هريرة رضي الله عنه : وكان خُبَيْبٌ هو سَنَّ لكلِّ مُسلمٍ قُتِلَ صَبْرًا (رواه البخاري) ، وقال في رواية أخرى (ضعيفة): اللهمَّ إني لا أنظرُ إلا في وجهِ عدوٍّ اللهمَّ إني لا أجدُ رسولًا إلى رسولِك فبلِّغْهُ عني السلامَ فجاء جبريلُ عليهِ السلامُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأخبرَهم بذلك. وقيل أن خبر خبيب جاء في نفس اليوم الذي قتل فيه أصحاب بئر معونة والله أعلم .

أخَذَ المشركون يمثلون بخبيب وهو حي ويقطعون لحمه قطعة قطعة وهو صابر محتسبا فقد وكَّلَ أمره لله فمن شدة إيمانه بالله لم يشعر بالعذاب فأخذ ينشد ويقول :
لقــد جمع الأحــزاب حولــي وألَّبــوا قبــائلَهــم واستـجـمـعــوا كــل مَجْمِـشع
وقــد جمعــوا أبنـاءهـم ونسـاءهـــم وقــربـت مــن جـــزع طــويــل ممنـع
إلى الله أشكـو كربتـي بعــد غربتــي وما جمع الأحزاب لي حول مصرعي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعــي
وقد خيروني الكفــر والموت دونــه وقــد ذرفــت عيناي من غير مجــزع
وما بي حــذار المــوت أنــي ميـــت ولـكــن حــذاري جـحــم نــار مـلـفــع
وذلــك فــي ذات الإلــه وإن يـشــــأ يبــارك علــى أوصــال شـلــو ممـزع
فلســـت أبالــي حيــن أقتــل مسلمـا على أي جنب كان في الله مصرعــي

يقول سعيد بن عامر بن حذيم رضي الله عنه : شهدتُ مصرع خبيب وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذعة فقالوا: أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال والله ما أحب أني في أهلي وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم شيك بشوكة. رضي الله عن خبيب فقد كان نِعْمَ العالم فقد أثَّرَ هذا الموقف العظيم في سعيد بن عامر فكان سبباً في إسلامه فأسلم قبل فتح مكة وهاجر للمدينة رضي الله عنه فكان من خيار الصحابة رضي الله عنهم.

فعند ذلك تحرك خبيب رضي الله عنه على الخشبة فانقلب وجهه عن القبلة: أي الكعبة فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحول وجهي نحو قبلتك، فحول الله وجهه نحوها، فقال: الحمد لله الذي جعل وجهي نحو قبلته التي رضي الله لنفسه ولنبيه وللمؤمنين، ثم رفع يديه وهو تحت التعذيب وأخذ يدعوا على الكفار فقال كلماته الخالدة : اللَّهُمَّ أحْصِهِم عَدَدًا، واقْتُلْهُم بِدَدًا ولا تُبْقِ منهم أحدًا. هذه الكلمات ترددت في أذانِ قريش فقد كانوا يعلمون معانيها ومعنى من قالها وهو مظلوم ، فيقول معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما : حضرته يومئذٍ فيمن حضره مع أبي سفيان فلقد رأيته يلقيني على الأرض فرقاً من دعوة خبيب وكانوا يقولون : إن الرجل إذا دعى عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه .

ويقول سعيد بن عامر رضي الله عنه والي حمص لعمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما سأله إن كان مريض فقد قيل له أنه مصاب يلحقه غشي، فاستدعاه، فلما قدِمَ عليه وجد معه مزودا وعكازا وقدحا، فقال له عمر : ليس معك إلا ما أرى، فقال له: وما أكثر من هذا يا أمير المؤمنين؟ مزودي أضع فيه زادي، وعكازي أحمل به ذلك، وقدحي آكل فيه، فقال له عمر : أبِكَ لَمَمَ؟ فقال: لا، فقال: فما غشية بلغني أنها تصيبك؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما بي من بأس، ولكني كنت فيمن حضر خبيب بن عدي حين قُتِل، وسمعتُ دعوته، فوالله ما خطرت على قلبي وأنا في مجلس قط إلا غشي علي فزاده ذلك عند عمر خيرا.

وقد اختلف فيمن قَتَل خبيب فقيل أبو سروعة عقبة بن الحارث بن عامر قتله بأبيه وكان صغيراً فعنه قال : ما أنا قتلت خبيبا لأني كنت أصغر من ذلك ، ولكن أبا ميسرة العبدري أخذ الحربة فجعلها في يدي ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله . وقيل : أن المشركين دعوا أربعين ولدا ممن قتل آباؤهم يوم بدر فأعطوا كل واحد رمحاً، وقالوا هذا الذي قتل آباءكم، فطعنوه بتلك الرماح حتى قتلوه .

دفن خبيب :
اختلف في من دفن خبيب ومتى كان دفنه فقيل أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه خبر خبيب بعث الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو رضي الله عنهما لدفنه ففي الحديث الضعيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «أيكم ينزل خبيبا عن خشبته وله الجنة؟» فقال له الزبير بن العوام : أنا يا رسول الله وصاحبي المقداد بن الأسود، فجاءا فوجدا عندها أربعين رجلا لكنهم سُكارى نِيام فأنزلاه» وذلك بعد أربعين يوما من صلبه وموته. وحمله الزبير على فرسه وهو رطب لم يتغير منه شيء فشعر بهما المشركون، أي وكانوا سبعين رجلا فتبعوهما، فلما لحقوا بهما قذفه الزبير ، فابتلعته الأرض اهـ. ومن ثم قيل له بليع الأرض، أي وكشف الزبير العمامة عن رأسه وقال لهم: أنا الزبير بن العوام وصاحبي المقداد بن الأسود أسدان رابضان يذبان عن شبلهما، فإن شئتم ناضلتكم، وإن شئتم نازلتكم، وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا عنهما.

وقيل أن عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه دفنه . فقيل أنه بعد أن فكه عامر بن الطفيل في سرية بئر معونة انطلق هارباً إلى مكة فدخلها ليلاً فلقيَ خبيب مصلوباً فَدَفَنَه ، وقيل أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في سرية مع الصحابي سلمة بن أسلم الأنصاري لقتل أبو سفيان بن حرب زعيم قريش قبل إسلامه فيقول عمرو بن أمية بعد فشل مهمتهما : فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة، فمررنا بالحرس الذين يحرسون خشبة خبيب بن عدي ، فقال أحدهم: لولا أن عمرو بن أمية بالمدينة لقلتُ إنه هذا الماشي، فلما حاذيت الخشبة شددت عليها، فحملتها واشتديت أنا وصاحبي فخرجوا وراءنا، فألقيت الخشبة فغيبه الله عنهم.

مقتل زيد بن الدثنة رضي الله عنه :
أما زيد بن الدثنة رضي الله عنه فاشتراه صفوان بن أميه ليقتله بأبيه وأخيه ، فحبسه عند مولاه نسطاس (رضي الله عنه فقد أسلم بعد ذلك) حتى انقضت الأشهر الحرم بانقضاء المحرم سنة أربع للهجرة فخرجوا به إلى التنعيم خارج الحرم ، وهناك وقبل القتل دار حوار مهم بين أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه وبين زيد بن الدثنة رضي الله عنه وكانوا قبل ذلك قد قتلوا خبيب بن عدي رضي لله عنه فقال أبو سفيان لزيد: نشدتك اللّه يا زيد، أتُحِب أن محمدًا عندنا الآن مكانك؛ فنضربَ عنقه وأنك في أهلك؟ فقال: واللّه ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تُصِيبه شوكة تؤذيه، وأني جالس في أهلي . فاشتاط أبو سفيان غيظاً فقال : ما رأيتُ أحدًا من الناس يحب أحدًا كحب أصحاب محمدٍ محمدًا. فقد قالها من قبله خبيب بن عدي هكذا الفداء وحب النبي صلى الله عليه وسلم . فقدمه نسطاس مولى صفوان بن أمية فقتله في شهر صفر سنة أربع للهجرة رضي الله عن أصحاب ماء الرجيع فقد كانوا ضحية غدرِ أهل الأوثان ومن على شاكلتهم ، فجميع الأمم ملة واحدة على أمة الإسلام ، فقد كان هؤلاء ضحية فصبروا ونالوا مرادهم باستشهادهم ووصل إلينا الإسلام نقي بدمائهم فرضي الله عنهم وأرضاهم .
علم النبي صلى الله عليه وسلم بمصاب ماء الرجيع فقنت على لحيان أربعين صباحاً.

وقد روى الإمام البخاري هذه الحادثة بتفاصيلها في صحيحه في كتاب: المغازي، وفي كتاب: الجِهاد والسِّيَر، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: (بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عشرة رهط سرية علينا وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهداة وهو بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة، فقالوا هذا تمر يثرب، فاقتصوا آثارهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد، وأحاط بهم القوم فقالوا لهم: انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحداً، قال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللَّهم أخبر عنا نبيك، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصماً في سبعه، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق منهم خبيب الأنصاري وابن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن في هؤلاء لأسوة يريد القتلى، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم، فأبى فقتلوه، فانطلقوا بخبيب وابن الدثنة حتى باعوهما بمكة .. فابتاع خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل ابن عبد مناف، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا، فأخبرني عبيد الله بن عياض أن بنت الحارث أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسي يستحد بها، فأعارته، فأخذ ابناً لي وأنا غافلة حين أتاه، قالت: فوجدته مجلسه على فخذه والموسي بيده ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي، فقال: تخشين أن أقتله؟، ما كنت لأفعل ذلك، والله ما رأيت أسيرا قط خيراً من خبيب، والله لقد وجدته يوماً يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر، وكانت تقول إنه لرزق من الله رزقه خبيبا، فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب: ذروني أركع ركعتين، فتركوه فركع ركعتين ثم قال: لولا أن تظنوا أن ما بي جزع لطولتها، اللَّهم أحصهم عددا ..

وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أي شِقِّ كَانَ لله مَصْرَعِي
وَذَلِكَ في ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْو مُمَزَّعِ

فقتله ابن الحارث، فكان خُبَيْبٌ هو سَنَّ لكلِّ مُسلمٍ قُتِلَ صَبْراً، فاستجاب الله لعاصم بن ثابت يوم أصيب فأخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – أصحابه خبرهم وما أصيبوا، وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حدثوا أنه قتل ليؤتوا بشيء منه يعرف، وكان قد قتل رجلًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث على عاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسولهم فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا ). (رواه البخاري)

شاركنا عبر شبكات التواصل الاجتماعي التالية:



ضع تعليقك