الأثنين 2 صفر 1439 - 24 أكتوبر 2017
جديد الموقع
بحث
التصنيفات
» بئر معونة .. (اللهمَّ إنا لا نجدُ مَن يبلغُ عنا رسولَك غيرَك اللهمَّ فَاقْرَأْ مِنّا عليهِ السَّلامَ وأخْبِرْه خَبَرَنا)

سلسلة (من سيرته صلى الله عليه وسلم)
بئر معونة

سَرِيَّةُ بِئْرِ مَعُونَة .. الفاجعة التي أبْكَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأحزنته لفقده سبعين من خيارِ أصحابه رضي الله عنهم قُتلوا غدراً على يد قبائل عربية مشهور عنها بعدم الغَدْر وحُسْن الضيافة في الجاهلية ، ولكن الله عز وجل يقول : {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82] . فقد انقلبت هذه الخصال الحميدة إلى عَدَاءٍ شديدٍ على المسلمين فقط ، فقد اتفق إبليس مع أئمَّة الكفرِ وشياطين الإنس على الفَتْكِ بالإسلام وأهلِه حتى يرثَ الله ُ الأرضَ ومن عليها ، ففي هذه السَّرِيَة اتحدت أربعُ قبائل على الغَدْرِ بسبعين من قُرّاءِ الصحابة فقتلوهم بالرغم من أنهم لم يكونوا في حربٍ ولم يُبْعثوا لحربِ أحَدٍ ، إنَّما كانت مهمتهم سلمية لنشر الإسلام بناء على طلب بعض زُعماءِ نَجْد ، فكانت عاقبتهم جَنّات الخلد شهداء والحمدلله .

فما هي قِصَّةُ هذه السَّرِيَة التي جعلت النبي صلى الله عليه وسيلم يَقْنَتُ وَيَلْعَنُ هذه القبائلَ شهراً كاملاً في كُلِّ الصلوات ولم يُؤَنِّبْهُ اللهُ عز وجل ولم يُنْهَ ولم يَنْزِل عليه الوحي لِوَقف هذه اللَّعَنَات بل أيَّدَهُ الله ُعز وجل فَقَنَتَ شَهْرَاً كاملاً وقيل نِصْفَ شهر على خلاف والراجحُ شهر .

الموقع: بئر معونة موقعٌ قديم من مواقع الجاهلية وانطمرت معالمُ هذه البئر وتحديد مكانها فلا يُعرف أين هي بالتحديد في هذا العصر ولكن الراجح والأكثر أنها تقع ما بين مكة المكرمة والمدينة النبوية في أرض بني سليم وقيل من أرض بني عامر بن صعصعة وقيل أرضٌ بين بني سليم وبين بني عامر بن صعصعة وسياق القصة تدل على أنها قريب من بني سليم حيث كانت مجزرة الغَدْر ، وحالياً في مكان من جبال أبلى.

السنة: في صَفَر من السنة الرابعة للهجرة بعد غزوة أُحُد بأربعةِ أشهر .

السبب: تدل المصادر على أنَّ ملاعب الأسنة أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وهو من سادات العرب وفرسانها في الجاهلية وسيد قيس عيلان في حرب الفجار ، وَلُقِّبَ بملاعب الأسنة كما جاء في المستقصى في أمثال العرب: أَفْرَسُ مِنْ مُلاَعِبِ اْلأَسِنَّةِ: هو أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر فارس قيس وإنما لُقِّبَ بذلك لأنه بارَزَ ضرار بن عمرو الضبي فصرعه كرات فقال له : من أنت يا فتى كأنك ملاعب الأسنة؟ فلزمه الاسم . وقيل أن بني عامر أغارت على بني تميم وضبة في الجاهلية ورئيس ضبة حسان بن وبرة فَأَسَرَهُ يزيد بن الصعق بن نفيل بن عمرو بن جعفر بن كلاب العامري ، فَحَسَدَهُ أبو البراء عامر بن مالك فشد على ضرار بن عمرو الضبي وهو بيت ضبة وله عشرة أولاد فوارس فقال ضرار لولده : أغنه عني فتحول عن سرجه إلى جنب الدابة ثم لحقه فقال لابنه الآخر : أغنه عني ، ففعل مثل ذلك فقال ضرار : ما هذا إلا ملاعب الأسنة . فَغَلَبَتْ عليه .

وجاء الإسلام وهو سَيِّدُ قيس فلما أخذ الإسلام ينتشر في أحياء العرب تقلَّصَ نفوذ أبو البراء وتقلَّصَ كذلك نفوذ زعماء العرب في الجاهلية ، فمنهم من أرشده الله وهداه للإسلام فأسلم كالأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر التميميان ومنهم من أعماه الشرف والحسد فأبى الإسلام كدريد بن الصمة الجشمي وعامر بن الطفيل الكلابي والمنافق عبدالله بن أبي بن سلول وزعماء قريش، أما أبو براء فلم يبارح ولم يقارب فقد ثبت بسند صحيح : أنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم دواء لابن أخيه فأرسل له النبي صلى الله عليه وسلم بعكة عسل فسقاه فبرأ ، وأنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك فعرض النبي صلى الله عليه وسلم عليه الإسلام فأبى فأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم هدية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إنا لا نقبل هدية مشرك» وفي مختصر البزار بسند صحيح لابن حجر : أنَّ عامرَ بنَ مالكٍ قال : قدِمتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بهديةٍ ، فقال: «إنا لا نَقبَلُ هديةً لِمُشرِكٍ».

ـ من هم القراء وماهي أحوالهم ؟
يروي لنا أنس بن مالك رضي الله عنه من هُمُ القُرَّاء الذين غَدَرَ بهم أهلُ الشرك في حين أن العرب من شيمهم عدم الغدر بمن كانت له ذمة وكانوا لا يخفرون ذمم بعضهم البعض ، ولكن الحرب على الإسلام لا تعرف شِيَم ولا أخلاق ولا ذِمَمَ فجميعُ أهلِ المِلَلَ من غير الإسلام يتفانون في الفَتْكِ بالإسلام وتدميره فمنذ أن صدح النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام والحرب مستعرة عليه ، فيقول أنس رضي الله عنه الذي أصابته حُرْقَةُ الألَمِ من فَقْدِ هؤلاء القراء وفيهم خالاه حرام وسليم بني ملحان ، عن ثابتٍ قال : كنا عند أنسِ بنِ مالكٍ فكتب كتابًا بينَ أهلهِ فقال : اشهدوا يا معشرَ القرَّاءِ ، قال ثابتٌ : فكأنِّي كرهتُ ذلك ، فقلتُ : يا أبا حمزةَ لو سميتَهم بأسمائِهم ، قال : وما بأسُ ذلك أنْ أقولَ لكم : قُرَّاءً ، أفلا أحدثُكم عن إخوانِكم الذين كنَّا نسمِّيهم على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم : القُرَّاءَ؟ فذكرَ أنهم كانوا سبعينَ فكانوا إذا جنَّهم الليلُ انطلقوا إلى معلِّمٍ لهم بالمدينةِ فيدرسونَ اللَّيلَ حتَّى يُصبِحوا ، فإذا أصبحوا فمن كانتْ له قوَّةٌ استعذبَ من الماءِ وأصاب من الحطبِ ، ومن كانت عنده سعةٌ اجتمعوا فاشتروا الشاةَ وأصلحوها فيصبحُ ذلك معلَّقًا بحجرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم .

وفي رواية لمسلم في الصحيح: يقرؤون القرآنَ . ويتدارسون بالليلِ يتعلَّمون . وكانوا بالنهارِ يجيئون بالماءِ فيضعونَه في المسجدِ . ويحتطبونَ فيبيعونَه . ويشترون بهِ الطعامَ لأهلِ الصفةِ ، وللفقراءِ .

هؤلاء هُمُ القُرَّاء كانت حياتُهم لله وفي الله فكانوا لا ينامون إلا القليل فبقيةُ حياتِهِم لرضا الله ثم لخدمة الفقراء من الصحابة ، وكانوا رضي الله عنهم من خِيرَةِ الصحابة وكانوا كما جاء في بعض الروايات فتيةٌ شباب ؛ فقد أخرج ابن حبان في صحيحه : أن شباباً مِن الأنصارِ يُسمَّوْنَ القُرَّاءَ يكونونَ في ناحيةٍ مِن المدينةِ يحسَبُ أهلُوهم أنَّهم في المسجِدِ ويحسَبُ أهلُ المسجِدِ أنَّهم في أهلِيهم فيُصلُّونَ مِن اللَّيلِ حتَّى إذا تقارَب الصُّبحُ احتَطَبوا الحطَبَ واستعذَبوا مِن الماءِ فوضَعوه على أبوابِ حُجَرِ رسولِ اللهِ فبعَثهم جيمعًا إلى بئرِ مَعُونةَ فاستُشْهِدوا فدعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على قَتَلَتِهم أيَّامًاً .

أسماء بعض القراء :
– المنذر بن عمرو الأنصاري من بني ساعدة ويلقب بالمعنق ليموت وهو أمير القوم . من خيار الصحابة شَهِدَ بيعة العقبة وكان من النقباء يومئذ ، شهد بدراً وأحُداً وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم على رأس سرية بئر معونة حيث قُتِلَ رضي الله عنه في هذه السرية ، وكان رضي الله عنه من الكملة في الجاهلية الذين يجيدون الكتابة ، وقد آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين ابن عمته طليب بن عمير رضي الله عنه وبين المنذر بن عمرو .

– عامر بن فهيرة : من كبار الصحابة ومن السابقين الأولين كان في الجاهلية مولى لعبدالله بن الطفيل بن سخبرة الأزدي رضي الله عنه أخا السيدة الجليلة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من أمها ، فأسلم عامر بن فهيرة قديماً قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم ، وكان يرعي الغنم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وكان له دورٌ في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حيث كان يسرح بغنمه على آثار النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه فيخفي آثارهما، فلذلك كان رضي الله عنه ثالثهما يوم الهجرة. شهد بدراً وأحداً وقُتل يوم بئر معونة .

– الحكم بن كيسان التميمي : مولى بني مخزوم أُسِرَ في سرية عبدالله بن جحش رضي الله عنه قبل بدرا ثم أسلم وشهد بدراً وأحداً وقُتل يوم بئر معونة وكان من خيار الصحابة .

– المنذر بن محمد بن عقبة الأنصاري من بني جحجبا بن كلفة من الأوس شهد بدرا وأحدا وقتل يوم بئر معونة .

– أبوعبيدة بن عمرو بن محصن الأنصاري من بني مالك بن النجار شهد بدرا في بعض الروايات وأحد في جميع الروايات وقتل يوم بئر معونة .

– الحارث بن الصمة الأنصاري : من بني مالك بن النجار وهو ابن عم أبي عبيدة بن عمرو . من كبار الصحابة الأنصار ومن فرسانهم المشهورين في الجاهلية والإسلام شَهِدَ بدراً وأحد وكان ممن ثبت يومئذ ولم يفارق النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن دارت المعركة لصالح المشركين وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم رُمحه وَطَعَنَ به أُبَيَّ بن خلف لعنه الله ، وشهد بئر معونة وكان آخر من قُتِل في المعركة ولم يقدروا عليه إلا بعد أن شرعوا الرماح فيه رضي الله عنه .

– أبو محمد أبي بن معاذ الأنصاري من بني مالك بن النجار وهو ابن خاله المنذر بن عمرو الساعدي أمير القوم شهد بدرا في بعض الروايات وشهد أحد وقتل يوم بئر معونة .

– أوس بن معاذ الأنصاري : أخو أبي بن معاذ شهد أحد وقتل يوم بئر معونة.

– أبو شيخ بن أبي بن ثابت ابن أخ حسان بن ثابت رضي الله عنه شهد بدرا وأحد وقتل يوم بئر معونة .

– حرام بن ملحان من بني عدي بن النجار صحابي شهير شهد بدرا وأحدا وقتل يوم بئر معونة . وهو خال أنس بن مالك رضي الله عنه .

– سليم بن ملحان الأنصاري أخو حرام وأم سليم وأم حرام ذرية صالحة سنفرد لهم ترجمه خاصة بإذن الله . شهد بدرا وأحد وقتل يوم بئر معونة .

– مالك بن ثابت الأنصاري من بني النبيت من الأوس شهد أحد وقتل يوم بئر معونة.

– سفيان بن ثابت الأنصاري أخو مالك بن ثابت شهد أحد وقتل يوم بئر معونة مع أخوه رضي الله عنهما.

– عروة بن أسماء بن الصلت السلمي من بني سُليم حليف لبني عمرو بن عوف قتل يوم بئر معونة.

– قٌطبة بن عبد عمرو الأنصاري : من بني دينار بن النجار شهد أحد وقتل يوم بئر معونة.

– الضحاك بن عبد عمرو الأنصاري : أخو قُطبة بن عبد عمرو شهد بدرا وأحد وقتل مع أخيه يوم بئر معونة .

– معاذ بن ماعص الأنصاري من بني زريق شهد بدرا ، وهناك خلاف فيه فقيل مات متأثراً بجراحه قبل أحد وقيل شهد أحد وقتل يوم بئر معونة وهو الراجح.

– عائذ بن ماعص الأنصاري : أخو معاذ شهد بدرا وأحد وقيل قتل يوم بئر معونة وقيل قتل بمؤتة وقيل قتل في حروب الردة باليمامة ، والراجح مؤتة.

– مسعود بن سعد الزرقي شهد بدرا وأحد واختلف في وفاته فقيل قُتل يوم بئر معونة وقيل قُتل بخيبر .

– خالد بن ثابت الظفري الأنصاري على خلاف فقيل قتل ببئر معونة وقيل قتل يوم مؤتة .

– سفيان بن حاطب الظفري : شهد أحد وقُتل يوم بئر معونة .

– سعد بن عمرو بن ثقف من بني مالك بن النجار شهد أحد وقتل يوم بئر معونة .

– الطفيل بن سعد بن عمرو : شهد أحد وقتل مع أبيه يوم بئر معونة .

– سهل بن عامر بن سعد : قتل مع عمه وجده يوم بئر معونة .

– عبدالله بن قيس بن صرمة من بني عدي بن النجار شهد أحد وقتل يوم بئر معونة .

– نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي من السابقين الأولين والمهاجرين قُتل يوم بئر معونة.

– عمرو بن معبد بن الأزعر الأنصاري من بني ضبيعة بن زيد من الأوس شهد أحد وقتل يوم بئر معونة .

– خالد بن كعب بن عمرو المازني مازن بن النجار قتل يوم بئر معونة .

هؤلاء الذين ذُكرت أسمائهم من السبعين الذين قُتلوا يوم بئر معونة والبقية الله يعرفهم بأسمائهم فقد أنزل فيهم قُرآن نسخ بعد ذلك ففي صحيح البخاري : قال قَتادةُ : وحدَّثنا أنسٌ : أنهم قرَؤوا بهم قُرآنًا : {ألَا بلِّغوا عنَّا قومَنا، بأنَّا قد لَقينا ربَّنا، فرضِيَ عنا وأرضانا}. ثم رُفِعَ ذلك بعدُ .وفي رواية : أن الله أنزل فيهم قرآنا : بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه , ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناه زمنا وأنزل الله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] .

تنسيق الأحداث من بعض الأحاديث :

عن أبن إسحاق قال: قَدِمَ أبو بَراءٍ عامرُ بنُ مالكِ بنُ جعفرٍ ملاعِبُ الأسنَّةِ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فلم يُسلِمْ ولم يَبْعُد من الإسلامِ وقال: يا محمدُ لو بعثتَ رجلًا من أصحابِكَ يدعوهُم إلى أمرِكَ رجوتُ أن يستجيبوا لكَ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : «إني أخشى عليهم أهلَ نجدٍ» فقال أبو براءٍ : أنا لهم جارٌ فابْعَثْهُم فلْيدعوا الناسَ إلى أمرِكَ فبعثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : المنذرَ بنَ عمرو أخا بني ساعدةَ بنِ الخزرجِ المُعنَقِ ليموتَ في أربعينَ رجلًا من المسلمينَ من خيارِهِم منهم الحارثُ بنُ الصِّمَّةِ وحَرَامُ بنُ مِلحانٍ أخو بني عديِّ بنِ النَّجَّارِ و عُروةُ بنُ أسماءَ بنِ الصَّلْتِ السُّلَميُّ و نافِعُ بنُ بُديْلِ بنِ ورقاءَ الخُزَاعِيُّ و عامرُ بنُ فُهَيْرةُ مولى أبي بكرٍ ورجالًا مُسَمَّوْنَ من خيارِ المسلمينَ فساروا حتى نزلوا بئرَ معونةَ وهي بئرُ أرضِ بني عامرٍ وحَرَّةُ بني سُلَيْمٍ كِلا البلَدَيْنِ منها قريبٌ وهي من بني سُلَيْمٍ أقربُ فلمَّا نزلوا بعثوا حَرَامَ بنَ مِلحانَ بكتابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى عامرِ بنِ الطُّفيلِ فلمَّا أتاهُم لم ينظرْ في كتابِه حتى غَدَا على الرجلِ فقتَلَه ثم اسْتصْرَخَ بني عامرٍ فأبَوْا أن يُجيبوهُ إلى ما دعاهم وقالوا لن نَخفِرَ أبا براءٍ وقد عقدَ لهم عقدًا وجوازًا فاستَصْرخَ عليهم قبائلَ من بني سُلَيْمٍ عَصِيَّةَ ورَعْلًا وذَكْوانَ فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غَشَوْا القومَ فأحاطوا بهم في رِحالِهم فلمَّا رأَوْهُم أخذوا أسيافَهُم فقاتلوا حتى قُتِلُوا عن آخرِهِم إلَّا كعبَ بنَ زيدٍ أخو بني دينارَ بنِ النَّجَّارِ فإنَّهم تركوه وبه رَمَقٌ فارْتَثَّ من بينِ القتلى فعاشَ حتى قُتِلَ يومَ الخندقِ وكان في السَّرْحِ عمرو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ ورجلٌ من الأنصارِ أخو بني عمرو بنُ عوفٍ فلم يُنْبِئْهُما بِمُصابِ إخوانِهما إلَّا الطَّيْرُ تحومُ على العسكرِ فقالا : واللهِ إنَّ لهذا الطَّيْرِ لشأْنًا فأقبلا لِينظُرَا فإذا القومُ في دمائِهِم وإذا الخيلُ التي أصابَتْهُم واقفةٌ فقال الأنصارِيُّ : لِعمرو بنِ أُمَيَّةَ ما ترى؟ قال : أرى أن نلحقَ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فنُخبرَهُ الخبرَ فقال الأنصاريُّ : لكنِّي ما كنتُ لأرغبَ بنفسي عن موطنٍ قُتِلَ فيه المنذِرُ بنُ عمرٍو وما كنتُ لتجتَزِيَ عنه الرِّجالُ فقاتلَ القومَ حتى قُتِلَ ، وأخذوا عمرو بنَ أُمَيَّةَ أسيرًا فلمَّا أخبرَهُم أنَّه من مضرَ أطلقَه عامرُ بنُ الطُّفيلِ وجَزَّ ناصِيَتَه وأعتقَه عن رقبةٍ زعمَ أنَّها على أُمِّه فخرجَ عمرو بنُ أُمَيَّةَ حتى إذا كان بالقَرْقَرَةِ من صدرِ قُباءَ أتاه رجلانِ من بني عامرٍ نزلا في ظِلٍّ هو فيه وكان للعامِرِيِّينَ عقدٌ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وجِوارٌ فلم يعلمْ به عمرو بنُ أُمَيَّةَ وقد سأَلَهُما حينَ نزلَ : مِمَّن أنتُما ؟ قالا : من بني عامرٍ فأَمْهَلْهُما حتى ناما فغدا عليهِما فقتلَهُما وهو يرى أنَّه قد أصابَ بهما ثأْرَه من بني عامرٍ لما أصابوا من أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فلمَّا قدِمَ عمرو بنُ أُمَيَّةَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخبرَه الخبرَ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : «لقد قتلتَ قتيلينِ لأُدِينَّهُما» ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : «هذا عملُ أبي براءٍ قد كنتُ لهذا كارِهًا مُتخوِّفًا» فبلغَ ذلك أبا براءٍ فشقَّ عليه إخفارُ عامرٍ إيَّاهُ وما أُصيبَ من أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بسبَبِه وجِوارِه . هذا الحديث وإن كان فيه إرسال إلا أن فيه الشرح الكافي لهذه السرية التي أتت على سبعين من خيار الصحابة وقراءهم وقد جاءت أحاديث كثيرة في قصة سرية بئر معونة صحيحة تعضد هذه الرواية .

فتدورُ أحداثِ هذهِ السَّرية السلمية أنَّ وفداً من بني رِعلٌ وذَكوانُ وعُصَيَّةُ وهم أحياء من بني سُليم قَدِمُوا على النبي صلى الله عليه وسلم يستمدونه على قومهم وزعموا أن فيهم إسلام ، وقيل أن أبا البراء ملاعب الأسنة هو الذي قَدِمَ على النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يُرسل بعض الصحابة لنجد ليفقهوهم في الدين ففي مجمع الزوائد بسند رجاله رجال الصحيح أنَّ عامرَ بنَ مالكٍ الذي يُدعَى مُلاعِبَ الأَسِنَّةِ قدِم على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مُشركٌ فعرَض عليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الإسلامَ وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : «إني لا أقبلُ هديَّةَ مُشركٍ» فقال عامرُ بنُ مالكٍ : ابعَثْ يا رسولَ اللهِ مِن رُسُلِك مَن شئتَ فأنا لهم جَارٌ . فبعَث رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رهطًا فيهم المُنذِرُ بنُ عَمرو السَّاعديُّ وهو الذي يُقالُ له أَعْنَقَ لِيموتَ عَينًا في أهلِ نجْدٍ .

فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أتوا غاراً مشرفاً على الماء فقعدوا فيه ، ثم قال بعضهم لبعض : أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء؟ فقال حرام بن ملحان الأنصاري: أنا أُبَلِّغُ رسالةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم . فَخَرَجَ حتى أتى حواء منهم فاختبأ أمام البيوت ، ثم قال : يا أهلَ بئرِ معونة، إني رسولُ رسولِ اللهِ إليكم : أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فآمِنوا بالله ورسوله . فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضربه في جنبه حتى خرج من الشق الآخر . فقال حرام رضي الله عنه : اللهُ أكبر . فزتُ وربِّ الكعبة . ثم قام بنو رعل وذكوان وعصية ، يستمدون عامر بن الطفيل على بقية الصحابة ، فأحاطوا بهم فقال الصحابة: والله ما إياكم أردنا ، إنما نحن مجتازون في حاجة النبي صلى الله عليه وسلم. يقصدون تعليم بني عامر الإسلام بناء على طلب أبو براء ، فلما وجدوا أنهم مقتولون قالوا: اللهمَّ إنا لا نجدُ مَن يبلغُ عنا رسولَك غيرَك اللهمَّ فاقرأْ منا عليه السلامَ وأخبرْه خبرَنا ، فأخذوا سيوفهم فقاتلوا حتى قُتِلوا وكان من القتلى عامر بن فهيرة رضي الله عنه، ففي صحيح البخاري : لمَّا قُتلَ الَّذينَ ببئرِ معونةَ ، وأُسِرَ عمرُو بنُ أميَّةَ الضَّمريُّ ، قالَ : لَهُ عامرُ بنُ الطُّفيلِ مَن هذا؟ فأشارَ إلى قتيلٍ ، فقالَ لَهُ عمرو بنُ أميَّةَ : هذا عامرُ بنُ فُهيرةَ ، فقالَ : لقد رأيتُهُ بعدَ ما قُتلَ رُفعَ إلى السَّماءِ ، حتَّى إنِّي لأنظرُ إلى السَّماءِ بينَهُ وبينَ الأرضِ ، ثمَّ وُضِعَ . وهذه كرامه لعامر بن فهيرة وحجة على عامر بن الطفيل حيث رأى ما رأى ولم يهديه هذا المشهد العظيم للإسلام .

ومن روائع هذه الملحمة الحب بين الصحابة والفِداء لبعضهم البعض فهذا المنذر بن محمد بن عقبة رضي الله عنه كان في مؤخرة السرية مع عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه ففي الحديث : وكان في السَّرْحِ عمرو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ ورجلٌ من الأنصارِ أخو بني عمرو بنُ عوفٍ (وهو المنذر بن محمد رضي الله عنه) فلم يُنْبِئْهُما بِمُصابِ إخوانِهما إلَّا الطَّيْرُ تحومُ على العسكرِ فقالا : واللهِ إنَّ لهذا الطَّيْرِ لشأْنًا فأقبلا لِينظُرَا فإذا القومُ في دمائِهِم وإذا الخيلُ التي أصابَتْهُم واقفةٌ فقال الأنصارِيُّ لِعمرو بنِ أُمَيَّةَ : ما ترى؟ قال : أرى أن نلحقَ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فنُخبرَهُ الخبرَ فقال الأنصاريُّ : لكنِّي ما كنتُ لأرغبَ بنفسي عن موطنٍ قُتِلَ فيه المنذِرُ بنُ عمرٍو وما كنتُ لتجتَزِيَ عنه الرِّجالُ فقاتلَ القومَ حتى قُتِلَ وأخذوا عمرو بنَ أُمَيَّةَ رضي الله عنه أسيرًا . أما الصحابي عروة بن أسماء بن الصلت السلمي وهو من بني سليم فعرفه قومه فعن عُروة، قال: حرض المشركون يوم بئر معونة بعرُوة بن الصَّلت أن يؤمنوه فأبى، وكان ذا خلّة لعامر بن الطّفيل مع أنّ قومه بني سُليم حرَّضوا على ذلك فأبى، وقال: لا أقبل لهم في ذلك أمانًا، ولا أرغب بنفسي عن مصارعهم، ثم تقدّم فقاتل حتى قُتل شهيدًا. وقاتل الحارث بن الصمة رضي الله عنه يومئذ بسيفه حتى كسر ثم نثر كنانته فأخذ يرميهم بالسهام حتى نفذت والقوم يجبُنُون أن يتقدموا إليه وذلك لشجاعته رضي الله عنه ثم أخذ رمحه فهابوا أن يتقدموا فأشار عليهم عامر بن الطفيل بأن يشرعوا فيه الرماح فما قتلوه إلا بعد أن كسر رمحه فقتل شهيدا شاهداً على غدر أهل الشرك وملة الشرك بالإسلام وأهله .

هذا الحدث يقع في أرض بني سليم والخبر عن طريق الوحي يصل للنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة أولاً بأولا ففي البخاري : فأتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ خبرُهم فنَعاهم ، فقالَ : «إنَّ أصحابَكم قد أُصيبوا ، وإنَّهم قد سألوا ربَّهم ، فقالوا : ربَّنا أخبر عنَّا إخواننا بما رَضينا عنْكَ ، ورَضيتَ عنَّا ، فأخبرَهم عنْهم» . والحزن يعصِرُ قلبه ويفطر فؤاده . فيقول أنس رضي الله عنه : ما رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وُجِدَ على سريةٍ ما وُجِدَ على السبعين الذين أُصيبوا يومَ بئرِ معونةَ . كانوا يُدعونَ القُرَّاءَ . فمكث شهرًا يدعو على قَتَلَتِهِم. (صحيح مسلم)

لازلنا في أرض الغدر حيث الجثث الطاهرة ملقاةً على الأرض وعامر بن الطفيل لعنهُ الله ماسكاً بعمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه الذي تأخَّر عن السرية مع المنذر بن محمد حيث كانا في مؤخرة السرية فلما علم عامر بن الطفيل بأنه من مضر جز ناصيته وأعتقَه عن رقبةٍ زعمَ أنَّها على أُمِّه .

بعد هذه المقتلة رجع المشركون إلى ديارهم فرحين بهذا النصر الزائف فقد كان سبعين من الصحابة أمام أربعة قبائل رعل وذكوان وعصية وأوباش من بني عامر ، فقد رفض عامة بني عامر أن يغدروا أو ينقضوا ذمة أبي براء فخرج عامر بن الطفيل ومعه بعض من كان على رأيه وفيهم جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب وهو ابن عم عامر بن الطفيل وكان هو من قتل عامر بن فهيرة رضي الله عنه ، فلما قتله قال عامر بن فهيرة رضي الله عنه : فُزْتُ وَرَبِّ الكعبة . هذه الكلمة رنَّتْ في أذن جبار رنيناً فلم يَنَمْ ولم يطعم طعم الراحة ، كيف يقتل شخص ويُقْسِمُ بِرَبِّ الكعبة أنه فاز أيَّ فوزٍ هذا وهو مجندلٌ في التراب؟!، ولماذا رُفِعَ في السماء؟ وأين قبره؟ أسئلة لا يجيب عنها إلا أهلها ، فانطلق إلى الضحاك بن سفيان الكلابي رضي الله عنه . قال جبار : فقلت في نفسي : ما قوله فزت؟ فأتيت الضحاك بن سفيان فسألته فقال : الجنة . قال : فأسلمتُ ودعاني إلى ذلك ما رأيتُ من عامر بن فهيرة . أما قاتل حرام بن ملحان رضي الله عنه فإنه لم يهدأ له بال حتى أسلم ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم ليُعلن إسلامه ، ففي الحديث عن أنس : فما رأَيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجَد على سَريَّةٍ وَجْدَه عليهم قال أنَسٌ : لقد رأَيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كلَّما صلَّى الغَداةَ رفَع يدَيْهِ يدعو عليهم فلمَّا كان بعدَ ذلكَ أتى أبو طَلْحةَ يقولُ لي : هل لكَ في قاتلِ حَرامٍ؟ قال : قُلْتُ : ما بالُه فعَل اللهُ به وفعَل فقال أبو طَلْحةَ : لا تفعَلْ فقد أسلَم . رضي الله عنهم ما أجملهم حين يعفون وما أجملهم حين يصفحون ، حتى لو كان المقتول أخ أو خال أو أو .

الناجي الوحيد من هذه المجزرة الصحابي كعب بن زيد الأنصاري الأعرج من بني دينار فقد ارتث وقيل أنه كان على رأس الجبل فلم يلحظوه ففي صحيح البخاري : فقُتِلوا كلُّهم غيرَ الأعرَجِ، كان في رأسِ الجبلِ، فأنزَل اللهُ علينا، ثم كان من المنسوخِ : إنا قد لقِيْنا ربَّنا فرضِي عنا وأرضانا . فدعا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثلاثينَ صباحًا، على رِعلٍ وذَكوانَ وبني لِحيانَ وعُصَيَّةَ، الذين عصَوُا اللهَ ورسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .
الأعرج رضي الله عنه أرتث بجراحه حتى وصل للمدينة ثم شهد الخندق فقتل يومئذ شهيدا رضي الله عنه .

حسَّانُ بنُ ثابتٍ يُحَرِّضُ ابنَ أبي براءٍ على عامرِ بنِ الطُّفيلِ :

بعد هذه الجريمة قام شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت بتحريض ربيعة بن عامر بن مالك على عامر بن الطفيل فقال :
بني أُمِّ البنينَ ألــمْ يَرُعْكُـــم وأنتم من ذَوائِـــبِ أهلِ نجـــدِ
تَهَكُّمُ عامـــرٍ بأبـي بـــــراءٍ وليَخْفِـــرَه وما خطَـــأٌ كَعَمْـــدِ
أَلا أَبْلغْ ربيعةَ ذا المساعِي بما أَحْدَثْتَ في الحُدْثانِ بعدِي
أبوكَ أبو الحروبِ أبو براءٍ وخالُكَ ماجِــدٌ حكــمُ بنُ سعـدِ
فحملَ ربيعةُ بنُ عامرٍ على عامرِ بنِ الطُّفيلِ فطعَنَه بالرُّمْحِ فوقعَ في فَخِذِه فأَشْواهُ ووقعَ عن فرسِه فقال : هذا عملُ أبي براءٍ فإنْ أَمُتْ فدَمِي لعَمِّي لا يُتْبَعُ به وإنْ أَعِشْ فَسأَرَى رأْيي فيما أَتَى إليَّ .

نهاية أبو البراء :
اختلف في نهاية أبو البراء فقد قيل أنه بعد أن سمع بغدر ابن أخيه بالمسلمين هامَ على وجهه فشرِبَ الخمر صرفا حتى مات على الشرك ، وقيل أنه وفد بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم فلذلك عده ابن حجر من الصحابة .

نهاية عامر بن الطفيل :
أما عامر بن الطفيل فقد كانت نهايته مُذِلَّة فقد دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، حين أراد أن يغدر به فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أنَّ عامرَ بنَ الطُّفَيلِ قدِم على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المدينةَ فراجَع النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وارتفع صوتُه وثابتُ بنُ قَيسٍ قائمٌ بسَيفِه على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال : يا عامرُ غُضَّ من صوتِك على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال : وما أنتَ وذاك فقال ثابتٌ : أما والذي أكرمَه لولا أن يَكره رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لضربتُ بهذا السَّيْفِ رأسَك ، فنظر إليه عامرٌ وهو جالسٌ وثابتٌ قائمٌ فقال : أما واللهِ يا ثابتُ لئن عرضتَ نفسَك لي لتُوَلِّينَ عني فقال ثابتٌ : أما واللهِ يا عامرُ لئن عرضْتَ نفسَك للِساني لتكرَهنَّ حياتي . فعطس ابنُ أخٍ لعامرِ بنِ الطُّفَيلِ فحمد اللهَ فشمَّتَه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، ثم عطس عامرُ بنُ الطُّفَيلِ فلم يَحمَدِ اللهَ فلم يُشَمِّتْه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، فقال عامرٌ : شَمَّتَ هذا الصبيَّ ولم تُشَمِّتْني ؟ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : «إنَّ هذا حَمِدَ اللهَ» قال : ومَحلوفِه لأملأنَّها عليك خيلًا ورجالًا . فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : «يكفينِيك اللهُ وابنا قَيْلَةَ» ثم خرج عامرٌ فجمع للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فاجتمع من بني سُلَيمٍ ثلاثةُ أبطُنٍ هم الذين كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، يدعو عليهم في صلاةِ الصُّبحِ اللهمَّ العَنْ لَحْيانًا ورَعْلًا وذَكوانَ وعُصَيَّةَ عصَتِ اللهَ ورسولَه اللهُ أكبرُ فدعا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سبعَ عشرةَ ليلةً فلما سمع أنَّ عامرًا جمع له بعَث النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عشرةً فيهم عمرو بنُ أُميَّةَ الضَّمريُّ وسائرُهم من الأنصارِ وأميرُهم المُنذِرُ بنُ عَمرو فمضوا حتى نزلوا بئرَ مَعونةَ فأقبل حتى هجَم عليهم فقتلَهم كلَّهم فلم يَفلِتْ منهم إلا عَمرو بنُ أُمَيَّةَ كان في الرِّكابِ فأوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إلى نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومَ قُتِل خيرُ أصحابِه فقال : «قد قُتِلَ أصحابُكم من ورائِكم» فدعا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على عامرِ بنِ الطُّفَيلِ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : «اللهمَّ اكفِني عامرًا» فكفاه اللهُ إياه فأقبل حتى نزل بفِنائِه فرماه اللهُ بالذَّبحةِ في حلقِه في بيتِ امرأةٍ من سَلولٍ فأقبل ينْزو هو يقول : يا آلَ عامرٍ غُدَّةٌ كغُدَّةِ الجمَلِ في بيتِ سَلولِيَّةٍ ترغبُ أن تموتَ في بيتِها فلم يزلْ كذلك حتى مات في بيتِها. (مجمع الزوائد، الحديث ضعيف لكن يسنده أحاديث صحيحة مرت)

هذه سرية بئر معونة الفاجعة التي ألمَّت بالمسلمين بمقتل خِيرةِ القُرَّاء ولكن الله اصطفاهم وجعلهم في منزلة الشهداء ، بما كانوا يفعلونه من أعمال خَيِّرة من مساعدةِ الفقراء وأهلِ الحاجة فمن أحسن في العمل لاقى الجزاء الحسن والعاقبة للمتقين والحمد لله رب العالمين .

شاركنا عبر شبكات التواصل الاجتماعي التالية:



ضع تعليقك