السبت 12 محرم 1440 - 22 سبتمبر 2018
جديد الموقع
بحث
التصنيفات
» (13) فضل العشر الأواخر

سلسلة (نور السالكين في أحكام وآداب الصائمين)
(13) فضل العشر الأواخر

جرتِ السنون وقد مضى العمرُ … والقلبُ لا شكرٌ ولا ذكرُ
والغفلةُ الصماءُ شاهرةً … سيفاً به يَتَصرَّمُ العُمْرُ
حتى متى يا قلبُ تغرَقُ في … لُجَجِ الهَوى، إنَّ الهَوَى بحرُ
ها قد حَبَاكَ اللهُ مغفرةً … طَرَقَتْ رِحَابَكَ هذه العَشْرُ

إنها العشر الأواخر من رمضان، ذات الفضل والمنزلة، والأجر والثواب.
كنا قبل أيام قلائل نستقبل رمضان، ونهنئ الأمة بمقدمه وها نحن الآن نستقبل عشره الأخيرة وعما قليل يُطوى سجله بما فيه من إحسان المحسن وإساءة المسيء، وتسفح من بعده العبرات على فراق أيام الخيرات والبركات.

ألا إنَّ شهركم قد أخذ في النقص فزيدوا أنتم في العمل، فكأنكم به وقد انصرف، فكل شهرٍ عسى أن يكون منه خلف، وأما شهر رمضان فمن أين لكم منه خلف؟

تَصَرَّمَ الشهرُ وَالْهَفاهُ وانهدما … واختصَّ بالفوزِ بالجناتِ من خَدَمَا
وأصبحَ الغَافِلُ المِسْكينُ مُنْكَسِراً … مِثْلِي فيَا ويحه يا عظم ما حُرِمَا
من فاتَهُ الزَّرعُ في وقتِ البِذَار فَمَا … تراهُ يَحْصُد إلا الهَمَّ والنَّدَمَا

«كان عليه الصلاة والسلام يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره». (رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها)
وكان عليه الصلاة والسلام يخص هذه العشر بمزيد من الأعمال الصالحات، لا يعملها في سائر الشهر.
فمن ذلك إحياء الليل كله، واجتناب النساء، روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت:
«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الشعر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله». وَشَدَّ المِئْزَر كنايةً عن اعتزال النساء، وقيل بل كناية عن الجِدِّ في العبادة، ويحتمل أن يُراد الأمران معا وهذا هو الظاهر.

قال ابن رجب: ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلا أقامه.
ومن بعده عليه الصلاة والسلام سارت قوافل الصالحين المقربين على الطريق ذاته، تقف عند العشر وقفةَ جِدٍّ وصَرامةٍ تمتص من رحيقها وتنهل من معينها، وترتوي من فيض عطاءاتها، وتعمل فيها ما لا تعمل في غيرها.

وهناك ظاهرة مؤسفة يتألم لها المؤمن ويحترق لها قلبه حسرةً أن تحدث في مثل هذه الأيام المباركة والليالي الشريفة، ولا يعرف لها سبب وتفسير إلا الغفلة التي قد اشتدت واستحكمت حتى أعمت صاحبها عن رؤية الشمس في وضح النهار…
وهذه الظاهرة قد غدت واضحةً لا تخفى على أحد ممن له أدنى تأمُّل وملاحظة، حيث نرى جميعاً أن الإقبال على العبادة والطاعة يَقِلُّ في العشر الأواخر من رمضان وتأمَّل عدد المصلين في الأيام الأولى من رمضان وعددهم في الأيام الأخيرة من رمضان يظهر لك الفَرْقُ جلياً. نَقصٌ كبيرٌ في عدد الذين يصلون التراويح وأقل منهم الذين يصلون القيام الآخر!!
فأين تلك الأعداد الكبيرة التي كانت تملأ المساجد حتى لا يجد البعض مكاناً داخل المسجد فيصلي خارجه. إنه قد يفهم المرء سبباً لهذا النقص فيما لو حدث بعد انتهاء رمضان، وقد يجد لذلك تفسيراً.
لكن المشكلة أن هذا النقص يحدث في شهر رمضان نفسه والشهر لا زال جارياً!! بل وفي أي وقت من رمضان. في أفضل ليالي الشهر، في العشر الأواخر التي فيها ليلة القدر التي قال فيها ربنا تبارك وتعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر:3].
وقال صلى الله عليه وسلم: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان» [رواه البخاري ومسلم]

ولكن الحسرة والخسارة أن تمر علينا ليالي العشر وندرك هذه الليلة العظيمة دون أن يغفر لنا عياذاً بالله من ذلك. وإن ما يزيد الأسى والحزن أن تقضى هذه الليالي في التنقل بين الأسواق بحثاً عن أثاث أو ثياب أو غير ذلك، فتهجر المساجد وتعمر الأسواق.

غداً تُوفَّى النفوسُ ما كَسَبتْ … وَيَحْصُد الزَّارعونَ ما زَرَعُوا
إنْ أحْسَنُوا أحْسَنُوا لأنفْسِهِم … وإنْ أساؤوا فَبِئْسَ مَا صَنَعُوا

فاللهَ اللهَ أيها الأحبة لا تفوتنكم هذه الفرصة العظيمة، فواللهِ لا يدري أحدُنا هل يُدركها مرة أخرى؟ أم يكون ساعتها تحت الأرض مرهونٌ بما قدَّم لنفسه؟ وهي ليالي معدودة تمر سريعة، فالموفق من وفَّقَهُ اللهُ لاغتنامها، جعلنا الله وإياكم ممن وُفِّقوا لقيام ليلة القدر.

سلامٌ من الرحمنِ كُلُّ أوانِ … على خيرِ شهرٍ قد مضى وزمانِ
سلامٌ على شهرِ الصيامِ فإنه … أمانٌ من الرحمنِ أي أمانِ
فإنْ فَنِيَتْ أيامُكَ الغِرُّ بغتةً … فَمَا الحُزْنُ من قَلْبِي عَلَيك بفانِ

شاركنا عبر شبكات التواصل الاجتماعي التالية:



ضع تعليقك