الخميس 6 ذو القعدة 1439 - 19 يوليو 2018
جديد الموقع
بحث
التصنيفات
» دعوها! فإنها خبيثة

إن مما يكدر صفاء الأخوة الإيمانية ويذهب بهاءها، تلك النعرات الجاهلية التي تدعو إلى ظلم العباد والاعتداء عليهم بالاحتقار والازدراء والتنقص! إما لأنسابهم أو لأعمالهم أو لأجناسهم وبلدانهم!!

وهذا مما حذرنا الله منه بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات:11]

وحذرنا منه نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله:

(لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه) [مسلم: 2564]

ولا ينكر عاقل وجود هذه العصبيات المقيتة في واقعنا، وما تجنيه على البلاد والعباد من تفرق وتحزب مذموم، لا يرضاه الله ولا رسوله.

عصبية تنصر الباطل وتعلي شأنه! وترد الحق وتنكر فضله!! حقاً .. إنها عصبية خبيثة.

الحق فيها.. ما يمليه إبليس وأعوانه!

وأصحابها.. في بُعد عن أحكام الشريعة السمحة!

يتظاهرون بالحمية والغيرة، وصيانة العرض والشرف، فإذا ما أتى الدرهم والدينار رأيتهم وقد سال لعابهم وطأطؤوا رؤوسهم وذهبت عنهم الحمية المدعاة والغيرة الملفقة، وإن شئت البيان فأنظر إلى مواقفهم الهزيلة من اختلاط البنات بالرجال في الجامعات والمكاتب، وغيرها من مواطن الغيرة الحقة؛ لتعلم أن الجهل لا يفرخ إلا الذل والهوان! وأن العزة كل العزة في لزوم آي القرآن وسنة النبي العدنان.

فإياك أن تغتر بزخارف الأقوال دون النظر في الأفعال والآثار.. يقول الله تعالى:{يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [سورة الأنعام:112]

قال مالك بن دينار: “إن شياطين الإنس أشد عليَّ من شياطين الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانا” [تفسير البغوي للآية السابقة 112 من سورة الأنعام].

فإياك! إياك! أن تكون من أهل العصبية العمياء.

قال جابر رضي الله عنه: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب [أي: مزاح أو يلعب بالحربة] فكسع أنصاريا [أي: ضربه]، فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا وقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ما بال دعوى أهل الجاهلية؟!) ثم قال: (ما شأنهم؟) فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوها فإنها خبيثة) وقال عبد الله بن أبي بن سلول أقد تداعوا علينا؟! لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فقال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث -لعبدالله[أي: ابن سلول]-؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه).[البخاري:3518]، وفي رواية عند مسلم: (دعوها فإنها منتنة) [مسلم: 2584].

فانظر كيف وصف الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه حال العصبية! وأنها من أمور الجاهلية المنتنة! لتعلم أيها الموفق أنه لا عزة لنا إلا بهذا الدين، كما قال عمر الفاروق رضي الله عنه: “إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله” وفي رواية: “إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نبتغي العز بغيره” [السلسة الصحيحة: 1/ 118]

فالعزة كلها في التمسك بشرع الله تعالى وتوحيده وتجريد المتابعة لنبيه عليه الصلاة والسلام.

أبي الإسلام، لا أب لي سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تميم

نعم، هذا هو النسب الذي يبقى.. فكن كما قال أبو الفتح البستي رحمه الله:..

واشدد يديك بحبل الله معتصماً *** فإنه الركن إن خانتك أركان

من يتقِ الله يحمد في عواقبه *** ويكفه شر من عزوا ومن هانوا

من استعان بغير الله في طلب *** فإن ناصره عجز وخذلان

وتأمل معي قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: (ومن قاتل تحت راية عِمِّيّة، يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، فقُتل، فقتلته جاهلية)[صحيح الجامع: 6227]

فمن ذا يحرم نفسه العُلى؟! ويتدنى في أوحال الجهل والهوى؟!

قـد هيؤوك لأمر لو  فطنت لـه *** فاربأ بنفسك أن ترعى مـع الهَمَلِ

ولتعلم أخي الكريم أن الله ما خلقنا شعوبا وقبائل إلا لنتعارف، لا لنتحاسد ونتقاتل، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:13]

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية الكريمة:

“فجميع الناس في الشرف بالطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولهذا قال الله تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضا، منبها على تساويهم في البشرية: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُو} أي: ليحصل التعارف بينكم، كل يرجع إلى قبيلته. وقوله: {ِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} أي: إنما تتفاضلون عند الله بالتقوى لا بالأحساب”. [تفسير القرآن العظيم، ج4: 254]

هذا هو المقصد الذي من أجله جعلنا الله شعوباً وقبائل، فحري بنا أن نلزم شرع الله ولا نتجاوزه، وأن نتعلم من أنسابنا ما نصل به أرحامنا، فقد صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة أنه قال: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر) [السلسلة الصحيحة:2965]

إنها ثمار عاجلة:

1.  زيادة المحبة والتآلف بين الأهل والأقارب.

2.  نماء وسعة في الأموال.

3.  طول وبركة في العمر.

فما بالك بالثواب الأخروي لمن أخلص وأبتغى الأجر من الله؟!

أما ميزان التفاضل بين الناس فإنما هو تقوى الله تعالى

{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}

فمن خاف ربه، وعمل بشرعه، وقنع بما آتاه الله، واستعد لما بعد الموت.. فهو من أهل التقوى.

والتقوى تستر العيوب الباطنة كما يستر الثوب العيوب الظاهره، قال سبحانه: {ولباس التقوى ذلك خير} فسمى التقوى لباسا.

 

إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى *** تقلب عرياناً ولو كان كاسيا

وخير لباس المرء طاعة ربه *** ولا خير فيمن كان لله عاصيا

فلنكن كما يريد ربنا لنسعد في الدارين..

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]

شاركنا عبر شبكات التواصل الاجتماعي التالية:



تعليقات 4

  1. ابو معاذ

    كلام جميل اخ سهيل نفع الله به


    رد


    25 أبريل 2014

    10:51 م

  2. نــــــــــــوار

    جزاكم الله خيرا


    رد


    26 أبريل 2014

    1:22 ص

  3. حفيدة عائشه

    جزاك الله خيرا وبارك بعلمكم.

    حقا نحن أعزة بالاسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله .
    فلا تنفعني قبيلتي ولا عشيرتي ولا بلدي
    هو الاسلام والتقوى ردائي ورفعتي فقط.


    رد


    28 أبريل 2014

    2:49 ص

  4. أحمد جشعول

    جزاك الله خيرا


    رد


    14 أبريل 2017

    1:48 م

ضع تعليقك